حكايات زهرة الربيع

أمي لما سمعت سيرة الغنى والشركات، عيونها لمعت بجشع غريب. نسيت تماماً إنها من كام يوم كانت بتقول عليا “معيوبة” وإن سليم كتير عليا. لفت ليا وقالت بنبرة آمرة:

“سمعتي يا وفاء؟ الشاب لقطة وميعيبوش إنه ضرير، والحمد لله إن ربنا جبر بخاطرك. بكره تلبسي أحسن ما عندك، وتنزلي تقابليه مع طنط سعاد، ومشفش منك أي دلع أو رفض، إحنا مش حمل تضيعي فرصة زي دي من إيدك!”

دخلت أوضتي وقفلت الباب. قعدت قدام المراية وبصيت لوشي. بقالي تلات سنين مأهتمتش بنفسي، حزني وهمي كانوا مغطيين على ملامحي. بدأت أسرح شعري، وأفكر: هل فعلاً ممكن الباب المقفول يتفتح؟ هل سليم ده هيكون عوض ليا، ولا ههرب من نار حماتي القديمة لنار تانية؟

تاني يوم، لبست فستان بسيط وهادي، وحطيت لمسات خفيفة جداً تداري الإرهاق اللي تحت عيوني. نزلت مع طنط سعاد لعنوان الكافيه الهادي اللي سليم اختاره.

طول الطريق وقلبي بيدق بعنف، كنت خايفة من شكل المقابلة، وخايفة من نظرة الناس لينا. وصلنا، وطند سعاد شاورتلي وقالت بابتسامة: “هو ده سليم… واقف مستنينا هناك.”

بصيت للتربيزة اللي شاورت عليها، واتسمرت في مكاني من المفاجأة.

سليم مكنش كشكل “شخص ضرير” زي ما اتخيلت في عقلي الباطن؛ مكنش منكسر أو باين عليه العجز. كان شاب طويل، عريض المنكبين، وسيم جداً بملامح حادة ورجولية، لابس بدلة شيك جداً وساعة غالية، وماسك في إيده عصا ليزرية أنيقة ومطوية. كان واقف بثقة وهيبة خلت كل اللي في المكان يبصوا عليه بإعجاب.

لما قربنا، هو حس بحركتنا، وبمنتهى الرقي ابتسم وقال بصوت رجولي دافي:

“أهلاً يا طنط سعاد… أكيد اللي معاكي دي هي الآنسة وفاء؟”

طنط سعاد ردت بلهفة: “أيوة يا سليم يا بني، وفاء معايا اهيه.”

سليم مد إيده يسلم عليا. حطيت إيدي في إيده المرتعشة بخفة، وحسيت بكهرباء غريبة سرت في جسمي. قال بنبرة هادية: “فرصة سعيدة جداً يا وفاء… اتفضلوا استريحوا.”

طنط سعاد انسحبت بذكاء وقالت إنها هتقعد على تربيزة تانية عشان تسيبنا براحتنا.

فضلنا ساكتين للحظات. كنت ببص لعيونه، عيونه كانت جميلة وواسعة، بس فيها سكون وهدوء غريب، كأنها باصة لدنيا تانية غير اللي إحنا شايفينها.

هو قطع الصمت ده بابتسامة وقال:

“عارف إنك بتبصي لعيوني دلوقتي وبتسألي نفسك الأسئلة المعتادة. أنا مش مولود كدة يا وفاء. أنا كنت شخص طبيعي جداً، وبشوف كل حاجة، لحد ما حصلت الحادثة من سنتين… الحادثة اللي خسرتني نظري، وخسرتني معاها خطيبتي الأولى اللي سابتني أول ما عرفت إني مش هشوف تاني.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *