جوزها مسافر وسايبلها 3 عيال و7000 جنيه في الشهر، ولما ابنها تعب ومحتاج دكتور، طلبت منه يساعدها... لكن اللي حصل بعدها قلب الليلة كلها. الساعة داخلة على نص الليل، وصوت دقات الساعة اللي على حيطة الصالة طالع عالي ومقلق، ماشي مع دقات قلب "هناء" اللي مش قادرة تهدى. البيت ساقع ومفيش فيه صوت غير أنين خافت طالع من أوضة العيال. دخلت هناء الأوضة بخطوات تقيلة، وبصت على ابنها الصغير، أبو سبع سنين، وهو بيتقلب في سريره وماسك خده بيعيط من وجع سنانه اللي اتسوست كلها ومحتاجة حشو بأسرع وقت. دموعها نزلت غصب عنها وهي حاسة بقلة الحيلة.. جوزها مسافر بره مصر من يوم ما اتجوزوا، مبيزلش غير كل سنة أو سنة ونص، وسايب لها تلت عيال في تانية إعدادي وأولى إعدادي وأولى ابتدائي، ورامي لها 7000 جنيه في الشهر ومقضيها مشاكل وخناقات كل شهر بسبب المصاريف. مسكت تليفونها والدموع في عينيها، وقررت تكلمه وهي بتدعي ربنا يحنن قلبه المرة دي عشان يبعت فلوس لدكتور السنان. أول ما رد، حكت له وهي بتعيط، فجاء صوته ناشف وبارد زي كل مرة السيرة فيها بتيجي ناحية الفلوس: "معاكي مصاريف الشهر يا هناء! العيال أخدوا إجازة من الدروس والـ7 تلاف يكفوا ويفيضوا.. أنا لو واثق إنك بتصرفي الفلوس دي على عيالي فعلاً مش بتوديها لأهلك، كنت بعتلك!" الكلام نزل عليها زي السكينة، شرفها وكرامتها اتوجعوا. كانت عايزة تصرخ وتدعي عليه وتقوله: "7 تلاف إيه اللي يكفوا أكل وشرب وغاز وماية وكهربا ونت وبيت كامل في الغلا ده؟ ده أنت لسه مطلع 10 تلاف جنيه لواحد غريب وبتقول لله! عيالك أولى بالله ده!".. بس قبل ما تنطق بحرف، الخط قطع وتليفونه اتقفل تماماً. بصت لابنها اللي صراخه زاد من الوجع، وقامت زي المجنونة تفتح الدولاب تدور في جيوب الهدوم القديمة عن أي قرش شايلاه للزمن. وهي بتقلّب بانهيار وسط هدوم جوزها القديمة اللي سابها في قاع الدولاب، إيدها خبطت في بطانة سرية جوه شنطة سفره القديمة.. حست بحاجة غريبة، ورقة ناشفة ومطبقة بعناية. سحبتها بسرعة وهي فاكرة إنها هتلاقي كام باكية فلوس منسية تنقذ بيها ابنها، فتحت الورقة تحت نور كشاف التليفون، وفي ثانية جسمها اتجمد، عينيها برقت من الرعب، والتليفون وقع من إيدها على الأرض. مكانتش فلوس.. دي كانت قسيمة جواز رسمي وجديدة جداً باسم جوزها "أحمد" من ست تانية، والمصيبة مكانتش هنا وبس، الصدمة الأكبر كانت في ورقة تانية متدبسة فيها.. تقرير طبي رسمي ومختوم بيقول إن جوزها ووووووووووو وتقرير طبي رسمي ومختوم بيقول إن جوزها مصاب بمرض وراثي نادر وخطير في الدم، والتقرير ده صادر من مستشفى بره مصر وتاريخه من شهور قليلة! نزلت الكلمة على دماغ هناء زي الصاعقة. فتحت فلاش التليفون أكتر وبدأت تقرأ السطور الإنجليزية المترجمة تحتها باللغة العربية. التقرير بيقول إن المرض ده جيني، احتمالية نقله للأبناء بتعدي الـ 90%، وبتبدأ أعراضه تظهر في سن الطفولة المتأخرة أو المراهقة على شكل تآكل في عظام الفك والأسنان، يتبعه فشل مفاجئ في وظائف الجسم لو ميتعالجش فوراً بمصل غالي جداً ومستورد! في اللحظة دي، شريط حياتها كله اتعرض قدام عينيها في ثانية واحدة. صراخ ابنها من أسنانة اللي سابها تتسوس فجأة في كام شهر.. الـ 10 تلاف جنيه اللي طلعهم لواحد غريب الأسبوع اللي فات.. مكنش غريب! ده كان وسيط بيسلموا جرعة المصل اللي بعتها من بره مصر عشان ياخدها في السر لما ينزل! والـ 7000 جنيه اللي بيبعتها.. مكنتش بخل، دي كانت طريقة عشان تلتفت هي للقمة العيش وتتلهي عن أي أعراض تظهر على العيال، لحد ما الوقت يفوت ويضمن إنهم مش هيكونوا عبء مادي عليه بره مصر! الحقيقة المرعبة وضحت: أحمد عارف إن عياله بيموتوا بالبطيء بسببه، وهربان بره يعالج نفسه وسايبهم هنا يواجهوا مصيرهم عشان ميتكلفش مصاريف علاجهم الغالية! وقسيمة الجواز التانية كانت من ست أجنبية عشان تضمن له الإقامة الدائمة وتأمين طبي كامل ليه هو وبس! وقفت هناء في وسط الأوضة، دموعها اتجمدت في عينيها. بصت على الورق، وبصت على ابنها الصغير اللي صراخه بقا واهن وضعيف من كتر التعب، وبصت على التليفون اللي في الأرض. فجأة، التليفون نور واهتز في الأرض.. الشاشة نورت باسم "أحمد بيقرأ رسائل الواتساب" (لأن الخط رجع يلقط شبكة). سحبت التليفون، ومسحت دموعها بعنف. الخوف اتمحى من ملامحها واتحول لشرار. صورت قسيمة الجواز، وصورت التقرير الطبي لمرضه الوراثي، وبعتتهمله على الواتساب، وتحتها رسالة صوتية واحدة، صوتها فيها مكنش بيترعش، كان حاد وزي السكينة: "أنا عرفت كل حاجة يا أحمد.. عرفت المرض اللي بتتعالج منه وسايب عيالك يورثوه ويموتوا بيه، وعرفت الجوازة التانية. الساعة دلوقتي 12 بالليل.. قدامك لحد الساعة 8 الصبح، لو ملقيتش تحويل بـ 100 ألف جنيه تمن جرعات العلاج الفوري للعيال وفلوس المستشفى، الورق ده كله هيكون على مكتب النائب العام بتهمة الشروع في ق*تل عيالك بالإهمال المتعمد، والنسخة التانية هتوصل للسفارة اللي أنت تابع ليها بره عشان تتطرد وترجع هنا على السجن.. الليلة دي هتدفع تمن كل نقطة دم نزلت من عيالك، واللعب بقا على المكشوف." قفلت السكة، وقبل ما يستوعب الصدمة، لمت عيالها التلاتة في حضنها ونزلت بيهم في وسط الليل، مش مكسورة، المرة دي نازلة تحارب عشان حياتهم، وهي عارفة إنها هتاخد قرش في قرش من لحمه حى. نزلت هناء من بيتها والجو تلج، الهوا بيخبط في وشها كأنه بيفوقها من كابوس عاشت فيه سنين. كانت ساندة ابنها الصغير اللي مش قادر يقف على رجليه، وأخواته الاتنين الكبار ماشيين وراها، عيونهم مليانة خوف وذهول من منظر أمهم اللي اتحولت في ثواني لكتلة من الغضب والقوة. أول ما وصلت المستشفى، دخلت الطوارئ زي الإعصار. الدكاترة اتلموا على الولد، وبدأوا يعملوا إسعافات أولية لفكّه وأسنانه اللي كانت بتنزف بشكل مرعب. هناء كانت واقفة برة الأوضة، عينيها مش بتفارق شاشة التليفون اللي بدأ يتهز في إيدها بشكل جنوني.. "أحمد يتصل". سابت التليفون يرن مرة.. اتنين.. تلاتة.. ماردتش. كانت مقصودة عشان تسيبه يتحرق في دمه برة مصر، عشان يفهم إن زمام الأمور مابقاش في إيده. في المرة الرابعة، فتحت الخط، وحطت التليفون على ودنها من غير ما تنطق بحرف. جاء صوته من الناحية التانية ملهوف، مرعوب، ومفيش فيه نقطة البرود بتاعة زمان: "هناء! اسمعيني بس.. أنتِ فاهمة غلط! والله العظيم أنا كنت هبعتلك، أنا كنت برتب أموري هناك عشان أعملهم استقدام وييجوا يتعالجوا هنا.. الورق ده جيبتيه منين؟ هناء ردي عليا متخربيش بيتنا!" ضحكت هناء ضحكة جافة، صدى صوتها هز ممر المستشفى الفاضي: "بيتنا؟ أنت بيت مابقاش عندك يا أحمد. البيت ده اتهد من يوم ما سبت عيالك بيموتوا بالبطيء عشان توفر تمن علاجهم لنفسك ولستك الجديدة. أنا مش هسمع منك ولا كلمة.. العد التنازلي بدأ، وفاضل 7 ساعات على الساعة 8 الصبح. الفلوس لو مانزلتش بحسابي، اسأل محاميك هناك الج*ريمة دي عقوبتها إيه برة." أحمد بصوت مخنوق بالدموع: "100 ألف جنيه إيه يا هناء في كام ساعة؟ أنا معاييش المبلغ ده كاش دلوقتي، ارحميني والورق ده ميتطلعش برة الدولاب، لو طردوني من شغلي مش هتعرفي تاخدي مني جنيه واحد!" هناء بلهجة حاسمة كالسيف: "اتصرف.. زي ما اتصرفت واتجوزت وعالجت نفسك، اتصرف عشان تنقذ اللي باقي من عمرك. وأعلى ما في خيلك اركبه." قفلت السكة في وشه، وعملت له "بلوك" مؤقت عشان تقفل قدامه أي فرصة للمماطلة. المفاجأة المدوية الساعة دقت 4 الفجر. الدكتور خرج من أوضة الكشف ووشه قلقان، قرب من هناء وقالها: "يا مدام هناء، احنا عطينا للولد مسكنات قوية ووقفنا النزيف، بس الوضع مش طمن.. الإشاعة بتقول إن في تآكل غريب وسريع جداً في عظام الفك، وده مش تسوس طبيعي. لازم فحص جينات وتحاليل دم فورية لإن الشكوك كلها رايحة لمرض وراثي خطير، والتحاليل دي غالية جداً وبتتعمل في مراكز خاصة." هناء هزت راسها وثباتها زاد: "عارفة يا دكتور.. وعارفة اسم المرض كمان. التحاليل هتتعمل الصبح، والعلاج هيبدأ الصبح." في اللحظة دي، تليفون هناء نور برقم غريب.. رقم مصري! استغربت، وفتحت الخط. جاء صوته راجل غريب، صوته باين عليه الهيبة والجدية: "أهلاً يا مدام هناء.. أنا المستشار عادل، محامي الأستاذ أحمد هنا في مصر. موكلي كلمني من نص ساعة وهو في حالة انهيار كامل، وطلب مني أتصرف فوراً." هناء سكتت وسمعت ببرود، فالمحامي كمل: "الأستاذ أحمد بايعتلي توكيل رسمي عام، وطالب مني أحل الموضوع ودي فوراً. هو وافق على كل شروطك، وكمان بيعرض عليكي التنازل عن الشقة اللي أنتِ قاعدة فيها حالياً بشكل رسمي ونهائي بيع وشراء، مقابل إنك تسلميني أصول التقارير والورق اللي معاكي، والـ 100 ألف جنيه جاهزة معايا كاش وهسلمها لك بنفسي بعد ساعتين.. بس في شرط واحد هو طالبة!" هناء ضيقت عينيها وقالت بقوة: "وشرط إيه ده كمان؟" المحامي سكت ثانية، وقال بنبرة غامضة قلبت كيان هناء تاني: "الشرط إنه مش هيتحمل مليم واحد زيادة بعد كده في علاج العيال، وهيتم توقيع إقرار منك ببراعة ذمته من أي نفقة أو علاج مستقبلي.. لإن أحمد بايع كل اللي وراه وقدامه برة عشان يعالج نفسه، والورقة التانية اللي معاكي مقطوعة.. أحمد مش بس مريض يا مدام هناء، أحمد أيام عيشته في الدنيا بقت معدودة، والجوازة التانية دي كانت عشان الست دي غنية وهي اللي بتصرف على علاجه هناك بعد ما فلوسه خلصت!" نزلت الكلمات على هناء، وحست إن اللعبة كبرت وبقت أخطر بكتير.. أحمد بيموت، وعايز يرمي العيال ليها وهي مش معاها مليم لعلاجهم المستقبلي، والشقة والـ 100 ألف مش هيكفوا تمن جرعتين من العلاج الغالي! بصت لعيالها، وبصت للمحامي اللي مستني ردها، وعرفت إن المعركة الحقيقية لسه هتبدأ حالاَ.. أخدت هناء نفس طويل، وحست إن الأرض بتلف بيها، بس رجليها ثبتت في مكانها. المحامي فاكر إنه بيلوي دراعها بمرض أحمد وإفلاسه، وفاكر إن الـ 100 ألف والشقة هيريلوا ريقها. لكن هناء في اللحظة دي مكنتش بتفكر كـ زوجة مجروحة، كانت بتفكر كـ أم "ذئبة" بتأمن حياة عيالها التلاتة من الموت. ردت على المحامي بنبرة خالية من أي صدمة، وجمودها رعب المحامي نفسه: "اسمعني كويس يا سيادة المستشار.. الكلام ده تبله وتشرب ميته. أحمد بيموت؟ ده حسابه عند ربنا. الست التانية بتصرف عليه؟ ميهمنيش. الشرط بتاعه ده تحت جزمتي.. أنا مش هتنازل عن مليم واحد من حق عيالي في رقبة أبوهم لحد آخر نفس في عمره، والورق اللي معايا مش هيتسلم." المحامي صوته حد وتغيرت نبرته: "يا مدام هناء فكري في مصلحة عيالك! الشقة دي تسوى ملايين دلوقتي، والـ 100 ألف هتنقذ ابنك الصبح، لو رفضتي وأحمد أعلن إفلاسه أو مات، مش هتطولي منه ولا مليم، ولا حتى الشقة اللي أنتِ قاعدة فيها لأنها لسه باسمه وممكن تتجزأ في الميراث مع مراته التانية!" ضحكت هناء ضحكة هزت جنبات المستشفى، وقالتله: "أنت فاكرني غبية يا سيادة المستشار؟ الشقة دي من حقي بقوة القانون كـ 'حاضنة' لثلاث أطفال قُصّر، يعني كده كده قاعدة فيها وميقدرش يرميني في الشارع. أما الـ 100 ألف، فلو منزلتش حالا في حسابي كـ 'مصاريف علاج طارئة' مش ثمن السكوت، أنا مش هستنى للساعة 8 الصبح.. أنا هكلم الست الغنية بتاعته برة مصر، وهبعتلها قسيمة الجواز التانية والتحاليل اللي بتقول إنه متجوزها ومخبي عليها إنه بيموت ومصنوع من الأمراض، وأخلّيها هي اللي تقطع معاه المصاريف والفيزا ويسيبوه هناك يموت في مستشفى حكومي!" المحامي سكت، أنفاسه بقت عالية ومبقاش عارف يرد. هناء كملت وهي بتضغط على كل كلمة: "قدامك نص ساعة.. الـ 100 ألف تحولهم فوري فودافون كاش أو إنستا باي من حسابك أو حسابه عشان أدفع للمستشفى، وتنازل الشقة يجهز الصبح كـ 'هبة' لعياله التلاتة مش بيع وشرا ليا عشان محدش يطعن فيه.. وقضايا النفقة والعلاج هترفع الصبح والمحكمة هي اللي تحكم بـ إفلاسه أو ثروته.. قدامك 30 دقيقة، وإلا قسيمة الجواز هتكون على تليفون مراته الأجنبية، والتقرير على إيميل السفارة." قفلت السكة في وشه وهي بتترعش من كتر الأدرينالين اللي جرى في دمها. المواجهة الكبرى الساعة بقت 5 الفجر. تليفون هناء نور برسالة من البنك: "تم إيداع مبلغ 100,000 جنيه مصري". بصت للشاشة وابتسمت بانتصار حزين. لفت للدكتور واديتله الكارت بتاعها وقالتله: "ادفع كل المصاريف، وافتح ملف جيني للعيال التلاتة، وابدأوا التحاليل فوراً." قعدت هناء على كرسي الاستراحة في المستشفى، وضمت عيالها الاتنين الكبار لحضنها وهم بيعيطوا، وقالتلهم: "متخافوش.. طول ما أنا حية، محدش هيلمسكم." لكن الليلة دي مكنتش عايزة تنتهي على خير.. الساعة دقت 6 الصبح، والنهار بدأ يشقشق. وفجأة، الباب الرئيسي للمستشفى اتفتح، ودخل منه شخص مكانتش هناء تتوقع تشوفه في مصر نهائي.. كان "إبراهيم"، أخو أحمد الكبير، اللي عايش في الصعيد ومقاطعهم من سنين! دخل ووشه إسود وعينه بطق شرار، ومكنش لوحده، كان معاه اتنين رجالة شداد من عيلته. قرب من هناء بخطوات سريعة وعالية، وزعق في وسط المستشفى: "بقى أنتِ يا بت بنداري بتلوي دراع أخوي وعايزة تخربي بيته وتفضحينا في وسط البلد؟ بقى بتهدديه بمرضه وبجوازه؟" هناء وقفت وربعت إيديها وقالتله بكل برود: "أهلاً يا سيدي.. وأنت إيه اللي حشرك؟ مش ده أخوك اللي قاطعتوه لما سافر؟ وإيه اللي عرفك باللي حصل؟" إبراهيم قرب منها بغل وفحيح كالأفاعي وقالها بصوت واطي ومرعب: "أحمد اتصل بيا وهو بيبكي بدل الدموع دم، وقالي إنك سرقتي ورق سري من دولابه وبتتبلي عليه وعايزة تاخدي الشقة والفلوس وتفضحي سره اللي مخبيه عن الدنيا كلها.. الورق ده لو متسلمش ليا حالا يا هناء، وعيال أخوي دول أخذتهم معايا الصعيد عشان يتعالجوا هناك بمعرفتنا.. أنتِ مش هتعرفي هيحصل فيكِ إيه، والبلد دي مش هتقعدي فيها ليلة واحدة!" الرجالة اللي معاه قربوا خطوة، وبدأوا يحاصروا هناء وعيالها في الممر الفاضي والمستشفى كانت شبه ميتة في الوقت ده.. هناء حست إن الخطر مابقاش من برة مصر بس، ده بقا في وشها وجهاً لوجه، وعيلة أحمد ناوية تخفي الورق وتاخد العيال منها بالقوة عشان يدفنوا السر ويموتوا العيال في الصعيد من غير شوشرة! بصت إيدها، لقت تليفونها في جيبها، والورق الأصلي متشال في مكان مفيش مخلوق يتخيله.. صباعها اتحرك على زرار الاتصال السريع، والمشهد بقا على شعرة بين الحياة والموت.. صوت خطوات إبراهيم ورجالته كان بيتحول لتهديد صريح في ممر المستشفى الفاضي. هناء، رغم ضربات قلبها السريعة، متهزتش. رجعت خطوة لورا عشان تخلي عيالها في ضهرها، وبكل برود رفعت تليفونها وضغطت على زرار الاتصال السريع اللي كانت مجهزاه لظروف زي دي: "النجدة". وقبل ما إبراهيم يمد إيده، كانت هناء بتتكلم بصوت عالي وواضح سمّع المستشفى كلها: "أيوة يا فندم.. أنا بمستشفى (...) الطوارئ، في ناس هجموا عليا ومحاصريني أنا وعيالي وعايزين يخطفوهم بالقوة وبيتعدوا عليا! أيوة، الشخص اسمه إبراهيم (...) ومعاه رجالة مسلحين!" إبراهيم وشه اتقلب وبقى أصفر لما سمعها بتبلغ باسمه الثلاثي وعيلته، وزعق بصوت مكتوم: "اقفلي التليفون ده يا بت بنداري! أنتِ اتجنيتي؟ عايزة تجيبيلنا البوليس في المستشفيات؟" هناء قفلت السكة بعد ما أكدت البلاغ، وبصتله بنظرة سخرية وقالت: "البوليس زمانه على وصول، وكاميرات المستشفى دي مسجلة كل كلمة وكل خطوة خطيتوها ناحيتي. والورق؟ الورق الأصلي مش معايا هنا أصلاً يا إبراهيم.. الورق مع محامي وعنده تعليمات واضحة: لو جرالي حاجة أو عيالي اتلمسوا، النسخ هتوصل للنائب العام والبلد كلها هتعرف بسيرة أخوك المريض والنصاب اللي بايع عياله." إبراهيم حس إنه اتورط ورطة العمر، والرجالة اللي معاه بدأوا يتراجعوا ويبصوا لبعض بقلق، مش عايزين يدخلوا في قض*ية خطف وبلطجة في مكان عام. في اللحظة دي، الأمن بتاع المستشفى بدأ يتحرك ناحيتهم بعد ما سمعوا الزعيق، وصوت سرينة عربية البوليس بدأ يظهر من بعيد في هدوء الفجر. إبراهيم قرب من هناء خطوة أخيرة، وعيونه مليانة غل ووعيد، وقالها بفحيح مكتوم: "ماشي يا هناء.. افتكري إنك أنتِ اللي بدأتي الحرب دي، وأخوي مش هيموت لوحده، وعيالك مش هيشوفوا مليم من عيلتنا بعد اليوم، وهندمك على الليلة دي العمر كله." لف إبراهيم وخد رجالته وخرجوا بسرعة من الباب الخلفي للمستشفى قبل ما البوليس يوصل بدقائق. الفجر الجديد لما البوليس وصل، هناء عملت محضر إثبات حالة باللي حصل وبأسماء إبراهيم ورجالته، ورفضت تسيب المستشفى غير لما النهار طلع تماماً والناس مالت الشوارع. الساعة بقت 9 الصبح. الدكتور خرج وطمنها إن الولد الصغير حالته استقرت بعد ما أخد أول جرعة من الأدوية المكثفة، وإن عينات الدم والجينات اتسحبت من العيال التلاتة ورايحة المعمل الخاص. وهي قاعدة جنب سرير ابنها، تليفونها رن.. المرة دي كان المستشار عادل، محامي أحمد، وصوته كان هادي ومستسلم تماماً: "مدام هناء.. أحمد عرف باللي عمله إبراهيم، وهو ملوش دعوة باللي حصل ده ونهى أخوه تماماً. أحمد بيبعتلك التنازل النهائي عن الشقة مصدق عليه في القنصلية ومبعوت في البريد السريع، والفلوس اللي بعتها دي مفيش شروط عليها.. بس هو بيطلب منك طلب واحد أخير كـ أب.. بلاش الفضيحة، وبلاش توقفي حاله بره، هو فعلاً بيموت ومش باقي له كتير." هناء بصت لوش ابنها اللي بدأ يهدى من الوجع، وحست بنشوة الانتصار اللي اتعمدت بالدم والدموع، وردت على المحامي بكل حسم: "الورق هيفضل في الحفظ والصون طول ما حقوق عيالي بتنزلي قرش لينطح قرش، وطول ما علاجهم بيتدفع أول بأول. أول ما أحس بتقصير، اللعبة هترجع تشتغل تاني.. سلام يا سيادة المستشار." قفلت هناء الخط، وبصت لعيالها التلاتة اللي كانوا باصين لها بنظرات فخر وإعجاب مكنتش بتشوفها في عيونهم زمان لما كانت مكسورة ومستسلمة. حطت إيدها في جيبها واكتفت بإنها تلمس "كارت الفيزا" اللي فيه الـ 100 ألف جنيه.. وعرفت إن من اليوم ده، مفيش حد هيقدر يكسرها، وإن رحلة علاج عيالها وتأمين مستقبلهم بدأت بأقوى خطوة. مرت خمسة أيام على الليلة الزلزال. خلال الأيام دي، هناء مكانتش بتنام؛ كانت بتتحرك في كل الاتجاهات زي الآلة. استلمت أوراق التنازل عن الشقة الموثقة من القنصلية، وسجلتها في الشهر العقاري رسميًا، وبقت الشقة ملكًا للعيال التلاتة. في نفس الوقت، ظهرت نتايج التحاليل الجينية، وللأسف، اتأكدت إصابة الابن الصغير وبدايات خفيفة عند البنت الكبيرة، بينما الابن الأوسط نجا من المرض. الدكتور طمنها وقالها: "المرض خطير يا مدام هناء، بس اكتشافه في المرحلة دي معجزة.. الجرعات اللي هتبدأوا فيها حالا بفضل المبلغ اللي اتوفر هتحجم المرض تمامًا، والعيال هيعيشوا حياتهم طبيعيين." شالت هناء عيالها ورجعت بيتها، البيت اللي دخلته من سنين وهي مكسورة وجاهلة بحقيقتها، ودخلته النهارده وهي الآمرة الناهية فيه. المشهد الأخير: المواجهة الكبرى والخاتمة في مساء اليوم الخامس، كانت هناء قاعدة في الصالة، والعيال نايمين في سلام بعد ما أخدوا أولى جرعات العلاج. الساعة كانت بتقرب من نص الليل، نفس التوقيت اللي بدأت فيه الحكاية. فجأة، التليفون رن.. كان اتصال فيديو من "أحمد". هناء مفيش في قلبها أي خوف، فتحت الخط وحطت التليفون قدامها على الترابيزة. ظهر وش أحمد على الشاشة، ومكنش هو أحمد اللي تعرفه؛ كان وشه شاحب، خاسس النص، وعينيه غايرة، وواضح عليه أثار المرض الكيماوي والعلاج القاسي اللي بياخده بره مصر. بص لها أحمد بنظرة مكسورة، وصوته طلع مبحوح وضغيف: "ارتحتي يا هناء؟ أخدتي الشقة، وأخدتي الفلوس، وخلّيتيني زي الفرخة المذبوحة هنا مش عارف أنام من الرعب لا تفضحيني.. عيالي عاملين إيه؟" هناء بصت لملامحه الذبلانة من غير أي شفقة، وردت ببرود جمد الدم في عروقه: "عيالي أنا.. اسمهم عيالي أنا يا أحمد. عايشين، وبيتعالجوا، وبقوا في أمان بعيد عن بخلِك وقسوتك. الشقة والفلوس دي مش منك، دي حقوقهم اللي أنت كنت مستخسرها فيهم وبتموتهم بالبطيء عشان تعيش أنت." دمعة نزلت من عين أحمد وقال: "أنا بموت فعلاً يا هناء.. الدكتور هنا قالي إن جسمي مش بيستجيب للعلاج، والست اللي اتجوزتها لما عرفت الحقيقة سابتني ورفعت عليا قض*ية طلاق وطردتني من بيتها.. أنا ضعت، ومباقاليش حد، وعيلتي في الصعيد اتقلبت عليا بعد ما البوليس راح سأل عن إبراهيم.. أنا خسرت كل حاجة." هناء وقفت، وبصت للتليفون من فوق لتحت، وقالت الكلمات اللي قفلت بيها كتاب الماضي كله: "أنت مخسرتش بسبب اللي أنا عملته.. أنت خسرت من يوم ما ظلمتني وشكيت في شرفي وأنت عارف إن العيب فيك، خسرت من يوم ما سبت لحمك ودمك بيموتوا بالوجع عشان تنقذ نفسك. ربنا عادل يا أحمد.. والـ 7000 جنيه اللي كنت بترميهملنا وتذلنا بيهم، دلوقتي مش هتلاقي حد يديهملك تمن ثمن شريط مسكن في غربتك." وقبل ما ينطق بكلمة تانية، هناء ضغطت على الزرار الأحمر وقفل الخط.. ومش بس قفلت الخط، دي عملت له "بلوك" نهائي من حياتها ومن حياة عيالها. بصت هناء على دقات الساعة اللي على الحيطة، نفس الدقات اللي كانت بترعبها من خمس أيام، لكن المرة دي صوتها كان منتظم ومريح. دخلت أوضة عيالها، باست راس ابنها الصغير اللي كان نايم مبتسم ومبقاش يتألم، وغطت أخواته. وقفت قدام المراية، مسحت وشها، وبصت لنفسها بابتصار وفخر. الحكاية بدأت بدموع وقهر وقلة حيلة، وانتهت بـ أم قوية، شالت عيالها من وسط الموت، وأثبتت إن الست لما بتتحول لـ "أم تحارب عشان ضناها"، مفيش أي قوة في الدنيا تقدر تقف في وشها. وانطفت أنوار الصالة.. وبدأ فجر جديد، حقيقي ونظيف، في حياة هناء وعيالها.