حكايات زهرة الربيع

بعد ساعات من العذاب، فقت من البنج، لقيت نفسي في أوضة ضلمة، وأمي قاعدة جمبي ووشها غرقان دموع ومخبية وشها بإيديها. سألتها بصوت مبحوح وخايف: “أمي.. ابني فين؟ شريف الصغير فين؟ هو كويس صح؟”.

أمي مبصتليش، فضلت تبكي بهستيرية، لحد ما دخل الدكتور المسؤول.. ملامحه كانت جادة وحزينة، قرب مني وقال بصوت واطي: “الحمد لله على سلامتك يا مدام.. قدر الله وما شاء فعل، الطفل اتولد قبل معاده بكتير، وعنده عيب خلقي شديد في ضهره ورجليه.. ومحتاج عمليات كتير جداً ونسبة شفائه صعبة.. هو حالياً في الحضانة تحت الأجهزة”.

الكلمة نزلت عليا كأنها خنجر اتغرس في نص قلبي.. عيب في ضهره ورجليه؟ عاجز؟ زي سيف؟! ربنا عاقبني في أعز ما أملك.. نفس الوجع ونفس الكسرة اللي سببتها لسيف، ابني هيعيش فيها!

قمت من على السرير زي المجنونة، بشد الخراطيم من إيدي وأمي بتصرخ وتمسكني، جريت في ممرات المستشفى وأنا بهلوس لحد ما وصلت لأوضة الحضانة.. وقفت ورا الإزاز، وبصيت على الحتة اللحم الحمرا اللي نايمة جوة وسط الأجهزة.. طفل صغير بريء، ملوش أي ذنب، بس شايل ذنب أمه كامل!

وفجأة وأنا واقفة ببكي ورا الإزاز وحاطة إيدي عليه، تليفون أمي اللي كان في جيب جلابيتي رن.. طلعت التليفون وأنا مش شايفة من الدموع، ولقيته رقم دولي غريب.. فتحت الخط وأنا بترعش وجالي صوت شريف.. بس الصوت مكنش فيه لا غضب ولا كره.. كان صوت هادي جداً، بارد لدرجة الموت، وقالي: “سمعت اللي حصل لابنك يا شيماء.. وجيت أقولك كلمتين اتنين بس عشان ترتاحي..”!

 
أنفاس شريف الهادية على الناحية التانية من الخط كانت بتخترق ودني زي تكتكة قنبلة موقوتة، مكنش فيه عصبية ولا زعيق، بالعكس، البرود اللي في صوته كان يجمّد مية نار.

سكت ثانية، تنهد تنهيدة طويلة وقال بلهجة خالية من أي مشاعر: “أنا مكنتش ناوي أكلمك تاني، ولا أعرف عنك حاجة.. بس لما عرفت باللي حصل للطفل، حسيت إنها رسالة من ربنا ولازم توهبلك فوق فووقك. شوفتي يا شيماء؟ شوفتي الديرة دارت إزاي وبسرعة؟ الوجع اللي عيشتيني فيه وأنا شايف ابني سيف حتة حديد مكسورة ومشلول مش قادر يتحرك، ربنا ردهملك في ابنك ومن لحمك.. العدالة الإلهية مابتتأخرش، وكل ساقٍ سيعزل بما سقى”.

دموعي نزلت مغرقة الإزاز اللي بيفصلني عن ابني في الحضانة، صرخت بصوت مبحوح والناس في الممر بتبص عليا: “حرام عليك يا شريف! ده ابنك أنت كمان! لحمك ودمك! ذنبه إيه الطفل ده يدفع تمن غلطتي وغلطتك؟ أنت كمان شاركتني في دمار بيتك الأولاني، ليه بتشيلني الشيلة لوحدي؟!”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *