حكايات زهرة الربيع
المحامي كان باصص للورق وعينيه متثبتة على سطر معين، وأنا ونجوى كنا واقفين بننهج وبنبص لبعض والرعب رجع ينبض في عروقنا من تاني. نجوى قربت من مكتبه وقالت بصوت متوتر: “مصيبة إيه يا متر؟ الورق ملوش علاقة بشيماء، دي تقارير وحسابات شريف وطليقته!”.
المحامي رفع عينه وبصلي بنظرة شفقة غريبة، وقال: “الحسابات السويسرية دي يا مدام شيماء.. مش باسم شريف لوحده، ولا طليقته سحبتها باسمها.. الحسابات دي تم تأسيسها تلت سنين فاتوا، يعني في نفس الشهر اللي أنتي اتجوزتي فيه شريف! والتوكيل اللي معمول لسحب الفلوس، معمول باسم شركة وهمية لتجارة الأدوية والمستلزمات الطبية برة مصر.. وعارفة مين اللي مسجل كـ شريك رئيسي وصاحب حق التوقيع في الشركة دي هنا في مصر؟”.
بلعت ريقي بصعوبة وقولت: “مين؟ شريف؟”.
المحامي هز راسه بالرفض وقال: “لأ.. باسمك أنتي! يا مدام شيماء، شريف وطليقته مكانوش بس بيزوروا تقارير طيران.. شريف كان بيهرب سبائك دهب ومبالغ ضخمة لشبكة تهريب دولية مستغلاً وظيفته كطيار، وحط اسمك أنتي في واجهة الشركة الوهمية دي بعقد مصدق ومزور فيه إمضاكِ وبصمتك من تلت سنين! طليقته لما كشفت اللعبة، مهددتوش عشان الفلوس بس.. هي هددته إنها هتبلغ عن الشبكة دي كلها لو مأخدتش نصيبها وسافرت برة.. وشريف هرب عشان الشبكة دي بدأت تدور وراه بعد ما الفلوس اللي في سويسرا اتجمدت من يومين بسبب تحقيقات دولية!”.
وقعت على الكرسي والواد صرخ في حضني كأنه حاسس بنبضات قلبي اللي كانت زي الطبل. نجوى اتراجعت لورا ووشها جاب ألوان، وقالت وهي بتبعد عني: “أنا ماليش دعوة.. أنا كنت فاكراها قض*ية نفقة وتزوير عادية! أنا برة الموضوع ده!”.
المحامي زعق فيها وقال: “اقعدي هنا! مفيش حد برة الموضوع.. الورق ده لو خرج من المكتب ده، أصحاب الشبكة دي -وهما ناس واصلة وتقيلة جداً- لو عرفوا إن الورق ده مع حد أو إن شيماء معاها مستندات الحسابات، مش هيستنوا القانون يحاسبها.. هما هيخلصوا عليها وعلى ابنها في ثانية عشان يدفنوا السر! شريف وطليقته مهربوش من القانون بس.. هما هربانين من ديابة بياكلوا لحم حي!”.
بصيت لنجوى اللي كانت بترتعش، وبصيت للورق اللي بقيت شيفاه كأنه قنبلة موقوتة هتدمر اللي باقي من حياتي وحياة ابني. قولت للمحامي بصوت منهار وعياط مكتوم: “يعني إيه يا متر؟ يعني أنا هتحبس؟ أو هتموت؟ أنا والله ما أعرف حاجة عن الشركات دي! أنا كنت مغمية عيني ومش شايفة غير شريف وبس.. أنا ضيعت نفسي وبضيع ابني معايا!”.