حكايات زهرة الربيع
النار قادت في دمي.. يبيدوني أنا وابني؟ يقتلوا الحتة اللحم دي عشان يداروا على وساختهم ووساخة شريف؟! بصيت للعلبة، وبصيت لوشه البارد، وقولتله بصوت هادي وعينيا بتلمع بدموع القهر: “ماشي.. بس خليني أبوس ابني لآخر مرة”.
الراجل هز راسه بملل وبص الناحية التانية كأنه مستعجل.. وفي جزء من الثانية، وبكل قوة وحقد وندم تراكموا في قلبي على مدار تلت سنين، رفعت إيدي بالمقص الحديد وغرسته بكل عزمي في رقبته!
الراجل برّق عينيه بذهول، مكنش متوقع إن واحدة مكسورة ومطلقة تعمل كده.. طلع صوت حشرجة من زوره، وحاول يمد إيده عشان يخنقني، بس أنا زقيته بكل قوتي.. وقع على الأرض وهو بينازع والدم بيسيل منه بغزارة في ضلمة الصالة.
مستنتش ثانية واحدة.. صرخت في أمي: “أمييي! هاتي الشنطة واجري!”. أمي خرجت بتترعش، أخدت الشنطة، وفتحنا الباب وجرينا على السلم زي المجانين، بنعدي من فوق البواب اللي كان مغمي عليه في المدخل زي ما الراجل قال.
خرجنا للشارع والوقت كان متأخر، فضلت أجري وأجري وأنا شايسة ابني على كتفي لحد ما وصلنا للموقف.. ركبنا أول عربية ميكروباص متجهة للصعيد.. لـ “أسيوط”.. مسقط رأسي، المكان اللي كان لازم مسبهوش من الأول.
عدت سنة كاملة على الليلة دي.. سنة كاملة وإحنا عايشين في بيت طين صغير في أطراف قرية معزولة في أسيوط، بأسماء مزيفة، وشكل متغير.. قصيت شعري، وبقيت بشتغل في البيوت والأراضي عشان أأكل أمي وأجيب علاج ابني.
شريف الكبير وطليقته؟ عرفت من الأخبار بعد شهور إنهم اتمسكوا في قض*ية تهريب كبرى وتزوير جنائي، وأخدوا أحكام بالسجن المؤبد، وكل ثروتهم وفلوسهم بره وجوه اتصادرت.. البيوت اللي اتبنت على الظلم، اتهدت فوق دماغ أصحابها في الآخر، وشريف اللي باعني وباع ابنه، بقوا الحيطان الأربعة هما كل دنيته.
أما أنا.. فقاعدة دلوقتي في ضل حيطة الطين، وبصالي “شريف الصغير” اللي بدأ يقعد على الأرض ويتحرك ببطء بعد رحلة علاج طويلة باللي كنت بكسبه من عرق جبيني.. عاجز اه، بس عايش في حضني.
ببص للسما والدموع في عيني.. خسرت شريف، وخسرت الفلوس، وخسرت حياتي القديمة كلها.. ودوقت الكسرة والفقر والخوف أضعاف اللي عملته في غيري.. بس وأنا ببص لوش ابني البريء، بعرف إن ربنا رحمني بالوجع ده عشان يفوقني، وإن العقاب الحقيقي مكنش الموت.. العقاب الحقيقي كان إني أعيش وأفتكر كل يوم.. إن اللي يزرع شوك، مستحيل يحصد ورد.