قسوة زوجى
باب المطبخ فجأة. دهشتُ عندما رأيت الحاجة فاطمة، والدة طارق. كانت قد وصلت للتو إلى الحفلة، وجاءت مباشرة إلى المطبخ لتبحث عني بعد أن سألت ابنتها عن غيابي ولم تجد إجابة واضحة. وقفت الحاجة فاطمة عند عتبة الباب، وتسمرت في مكانها والذهول يكسو وجهها الطيب. رأتني وأنا جالسة على الأرض، وجهي شاحب كالموتى، عيناي حمراوان ومنتفختان من البكاء، والعرق يبلل ملابسي بالكامل، والجبس الضخم يمتد على ساقي، وحولي عشرات الصحون والحلل المليئة بالطعام الفاخر، وعكازاي ملقيان بجانبي على الأرض.
ساد صمت ثقيل للحظات، لم تنطق فيه بكلمة، بل كانت عيناها تتنقلان بيني وبين كاحلي المجبس وبين كميات الطعام الهائلة المنتشرة في كل زاوية من زوايا المطبخ. ثم خطت خطوات سريعة نحوي، وجثت على ركبتيها بصعوبة رغم كبر سنها، وأمسكت بيدي المرتجفتين وقالت بنبرة تهتز من الصدمة والغضب يا بنتي… ما هذا؟ ما الذي تفعلينه هنا؟ لماذا أنتِ في المطبخ ورجلكِ في هذا الجبس الضخم؟. لم أستطع الإجابة، بل انفجرت في بكاء مرير وصادق، وارتميت في حضنها كطفلة وجدت أخيرًا من يشعر بألمها.
ربتت على ظهري بحنان بالغ، وحاولت تهدئتي وهي تسأل بصوت يملؤه القلق تكلمي يا بنتي، من الذي أجبركِ على هذا؟ هل طارق هو من طلب منكِ طبخ كل هذا الطعام وأنتِ بهذه الحالة؟. أومأتُ برأسي إيجابًا دون أن أستطيع النطق. في تلك اللحظة، شعرت بانتفاضة جسدها، وتغيرت ملامح وجهها الطيب لتتحول إلى غضب عارم لم أره عليها طوال معرفتي بها. وقفت بسرعة وقوة لم أعهدها فيها، وقالت بنبرة حاسمة كالرعد حسبي الله ونعم الوكيل فيه! سكتتُ على الكثير من تصرفاته الطائشة، لكن أن يصل به الجبروت والأنانية إلى تعذيبكِ وأنتِ مريضة وعاجزة؟ هذا ما لن أسمح به أبدًا!. التفتت وخرجت من المطبخ بخطوات سريعة وغاضبة، تاركة إياي في حيرة وخوف مما سيحدث بعد ذلك.
الجزء السابع الصرخة والمواجهة
لم تمضِ سوى عشر دقائق تقريبًا، حتى قطع هدوء الحفلة وصخب الأغاني صرخة عالية ومدوية، هزت أركان المكان. كانت صرخة مليئة بالصدمة والألم والغضب، ومصدرها كان طارق نفسه. تسارعت نبضات قلبي بشدة، وشعرت بخوف شديد من أن يكون مكروه قد أصابه، أو أن مواجهة عنيفة قد حدثت بينه وبين والدته. تحاملت على نفسي بكل ما أوتيت من قوة متبقية، وأمسكت بعكازيّ ونهضت ببطء شديد وألم لا يطاق في ساقي المكسورة. بدأت أجر خطاي الثقيلة نحو المخرج المؤدي إلى منطقة حمام السباحة، والفضول والخوف يدفعاني للأمام.
عندما وصلت إلى الباب الخارجي المطل على المسبح، وقفت مذهولة ومستندة بكامل جسدي على العكازين. كان المشهد لا يصدق؛ كل الضيوف والثلاثون شخصًا كانوا يقفون في صمت تام، والذهول والصدمة يرتسمان على وجوههم. بعضهم كان يغطي فمه بيديه، وبعضهم كان يتحدث بهمس وصوت خفيض. أما طارق، فكان يقف وسط الحديقة، يقطر ماءً من رأسه حتى أخمص قدميه، وملابسه الفاخرة والأنيقة التي كان يتباهى بها قد تبللت تمامًا والتصقت بجسده، ووجهه كان شديد الاحمرار من شدة الإحراج والمهانة والذهول.
لقد قامت والدته، الحاجة فاطمة، بفعل غير متوقع ومزلزل. تقدمت نحوه وسط ضيوفه وأصدقائه في العمل ورؤسائه، وأمسكت بوعاء كبير من الماء البارد الذي كان مخصصًا لتبريد المشروبات، وسكبته بالكامل فوق رأسه أمام الجميع، ثم صرخت فيه بأعلى صوتها ونهرته بشدة لم يسبق لها مثيل. كانت توبخه بكلمات قاسية وجارحة تمس رجولته وأخلاقه وأمام كل من أراد أن يتباهى أمامهم بمظهره الزائف.
الجزء الثامن السقوط والدموع أمام الجميع
لم تكتفِ الحاجة فاطمة بسكب الماء البارد عليه، بل بدأت في توبيخه بصوت جهوري سمعه كل من في الفيلا والجيران المحيطين بها. صرخت فيه قائلة أهذا هو الرجل الذي ربيته؟ أهذه هي الرجولة والشهامة التي علمتها لك؟ تجبر زوجتك المريضة، التي كُسرت رجلها وتحتاج للراحة والعلاج، على الوقوف ل ساعة في المطبخ لتطبخ لثلاثين شخصًا من أجل نزواتك وأنانيتك وعيد ميلادك التافه؟ تتركها تتألم وتبكي في المطبخ الساخن، بينما أنت تلهو وتسبح وتستعرض أمام أصدقائك؟.
كان طارق يحاول مقاطعتها بصوت خفيض ومرتجف وهو ينظر حوله بذعر من نظرات أصدقائه وزملائه أمي.. أرجوكِ، ليس هنا أمام الناس.. دعينا نتحدث في الداخل.. سأشرح لكِ… لكنها قاطعته بقوة وضربت بعكازها الصغير الأرض قائلة لا حديث في الداخل! من لا يستحي من تعذيب زوجته أمام الله، يجب أن يُفضح أمام خلقه! انظروا جميعًا إلى هذا الرجل الذي يبتسم لكم ويقدم لكم الطعام الفاخر.. هذا الطعام مغموس بدموع وتعب وألم زوجته التي تقف الآن على عكازين خلف الباب!. التفت الجميع نحو الباب ورأوني واقفة، شاحبة الوجه، مستندة على عكازيّ، والدموع تنهمر من عينيّ كالمطر.
في تلك اللحظة، مع توجيه كل الأنظار إليه، ومع كلمات أمه القاسية والجارحة التي كشفت حقيقته وهدمت صورته الزائفة التي حاول بناءها لسنوات أمام زملائه ورؤسائه في العمل، انهار طارق تمامًا. لم يحتمل حجم الإحراج والمهانة والضغط النفسي؛ سقط على ركبتيه على الأرض المبللة بجانب المسبح، ووضع وجهه بين كفيه، وبدأ يبكي بكاءً مريرًا وبصوت مسموع كالأطفال أمام جميع ضيوفه. كان يبكي إحراجًا، وخوفًا على مستقبله الاجتماعي والمهني الذي تضرر بشدة في تلك اللحظة، وربما لأول مرة في