قسوة زوجى
الجزء الأول ليلة الحادثة والجبس الثقيل
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل حين تعثرتُ بتلك اللعبة الصغيرة التي تركها ابن أخي على الدرج. لم أسمع سوى صوت طقطقة جافة وباردة في كاحلي الأيمن، تلتها موجة ألم حاد جعلت الدنيا تسودّ في عيني. سقطتُ أرضًا وأنا أصرخ مكتومة الأنفاس، بينما كان زوجي طارق يجلس في الغرفة المجاورة يتابع مباراة كرة قدم بصوت صاخب. ناديتُ عليه مرارًا، ونبرة الألم تخنق حنجرتي، حتى أطل برأسه من الباب بملامح ضجرة قائلًا ما بكِ؟ هل هذا وقت الصراخ والدراما؟. لم يدرك فداحة الأمر إلا عندما رأى كاحلي وقد بدأ يتورم بشكل مخيف ويتغير لونه إلى الزرقة الداكنة.
في المستشفى، وتحت الأضواء الفلورية الباردة، كان الطبيب يتفحص الأشعة السينية بجبين مقطب. التفت إليّ وقال بنبرة حازمة هناك كسر مضاعف في عظمة الساق وقريب من المفصل. سنضع قدمكِ في الجبس فورًا، وعليكِ بالراحة التامة لثلاثة أسابيع على الأقل. أي ضغط أو وقوف طويل قد يتسبب في تحرك العظمة من مكانها، وحينها لن يكون أمامنا سوى التدخل الجراحي والشرائح والمسامير. هل هذا مفهوم؟. أومأتُ برأسي وعيناي تفيضان بالدموع، بينما كان طارق يقف خلف الطبيب عابثًا بهاتفه المحمول، يبدو عليه الضيق ليس لأنني تألمت، بل لأن هذه الليلة قد اقتطعت
من وقت نومه، ولأن مشاوير المستشفيات تثير أعصابه كما يدعي دائمًا.
عدنا إلى البيت في الفجر. كنت أجر جسدي الثقيل والجبس يمتد من أطراف أصابعي حتى أسفل ركبتي مباشرة. كان الألم ينبض بقوة مع كل دقة قلب، والمسكنات لم تفلح إلا في تخدير عقلي قليلًا. تطلعتُ إلى طارق منتظرة منه كلمة مواساة أو لمسة حنان، لكنه ألقى بمفتاح البيت على الطاولة وقال وهو يتجه لغرفة النوم حاولي ألا تطلبي الكثير من المساعدة غدًا، فلدي عمل مهم في الصباح. والجبس ليس نهاية العالم، فالكثير من الناس يكسرون أطرافهم ويتابعون حياتهم بشكل طبيعي. أغلقتُ عينيّ بأسى، وتساءلتُ في نفسي كيف تحول ذلك الشاب اللطيف الذي تزوجته قبل سنوات إلى هذه الكتلة من البرود والأنانية. نمتُ تلك الليلة ودموعي تبلل وسادتي، ولم أكن أعلم أن القادم سيكون أشد قسوة ومرارة.
الجزء الثاني الصدمة والطلب المستحيل
مرت الأيام الأولى وصعوبة الحركة تزداد. كنت أكافح للوصول إلى الحمام مستندة على عكازين حديديين يضغطان على إبطيّ ويسببان لي آلامًا إضافية. طارق لم يكن يقدم لي سوى الحد الأدنى من المساعدة، وغالبًا ما كان يتذمر إذا طلبتُ منه كوبًا من الماء أو ترتيب الفراش. وقبل عيد ميلاده الأربعين بأربعة أيام، عاد إلى المنزل يحمل قائمة طويلة من الأوراق، والابتسامة تعلو وجهه بشكل غريب لم أعهده منذ فترة طويلة. جلس بجانبي على الأريكة، ورفع القائمة أمام عينيّ قائلًا بحماس مصطنع لقد حانت اللحظة المنتظرة! عيد ميلادي الأربعين الأسبوع المقبل، وهي مناسبة لا تتكرر. لقد قررتُ أن نقيم حفلة ضخمة تليق بهذا السن، ودعوتُ ثلاثين شخصًا من أصدقائي في العمل، وجيراني القدامى، وأقاربنا. الحفلة ستكون حول حمام السباحة الخاص بالفيلا التي استأجرتها ليوم واحد.
نظرتُ إليه بذهول حقيقي، وضربات قلبي تتسارع. قلت له بصوت مرتجف طارق، هل جننت؟ كيف تدعو ثلاثين شخصًا ونحن في هذه الحالة؟ من سيجهز لكل هذا؟. تلاشت ابتسامته وحلت محلها نظرته الباردة المعتادة وقال ومن غيركِ سيفعل؟ الحفلة تحتاج إلى قائمة طعام متكاملة مقبلات ساخنة وباردة، ثلاثة أصناف من الأطباق الرئيسية، وحلويات شرقية وغربية، وعصائر ومشروبات طبيعية. أريد أن يكون كل شيء مثاليًا ومصنوعًا في البيت، فأصدقائي يعلمون أنكِ طباخة ماهرة، ولا أريد أن أظهر أمامهم بمظهر من يشتري طعامًا جاهزًا رديئًا.
نظرتُ إلى الجبس الضخم الذي يغطي ساقي، ثم رفعتُ عينيّ إليه وقلت بنبرة تقترب من التوسل لكن يا طارق… رجلي مكسورة! الطبيب منعني من الوقوف تمامًا. ألا ترى هذا الجبس؟ كيف سأقف لساعات في المطبخ لأطبخ لثلاثين شخصًا؟ كنت أظن أننا سنكتفي بجلسة عائلية بسيطة هنا في المنزل، كعكة صغيرة وعشاء بسيط لي ولك ولوالدتك فقط!. ضحك طارق باستهزاء شديد، صدى ضحكته جرح كرامتي في الأعماق، وقال وهو يشير بيده باستخفاف جلسة عائلية مملة في الأربعين؟ أبدًا! ثم ما هذه المبالغة والدراما؟ هل تموتين مثلًا؟ يمكنكِ ببساطة أن تضعي كرسيًا مرتفعًا في المطبخ وتجلسي عليه وتطبخي! الأمر يحتاج فقط إلى القليل من الإرادة والتنظيم، بدلًا من هذا الكسل والتمثيل والتحجج بالمرض. وقعت كلماته كالصاعقة على رأسي، وشعرت بخيبة أمل لم أشعر بها قط طوال سنوات زواجنا.
الجزء الثالث الضغط والمؤامرة الصامتة
حاولتُ جاهدة على مدار اليومين التاليين إقناعه بالعدول عن فكرته أو على الأقل طلب الطعام من مطعم معروف وموثوق. كنتُ أبكي أمامه وأشرح له أن مجرد تحريك الوعاء الثقيل على الموقد يتطلب توازنًا لا أملكه وأنا أقف على ساق واحدة. لكنه كان كالصخرة الصماء لا تلين ولا تتأثر. وفي إحدى محاولاتي، احتد صوته وضرب بيده على الطاولة قائلًا بغضب أتدرين كم سيكلفني طلب الطعام لثلاثين شخصًا من المطاعم الفاخرة؟ سيكلف ثروة! وأنا لست مستعدًا لإنفاق مالي على المطاعم بينما لدي زوجة تجلس في البيت بلا عمل ومهمتها الأساسية هي راحتي وتلبية رغباتي. إذا كنتِ تحبينني حقًا وتريدين إنجاح
لمحة نيوز