قسوة زوجى
زواجنا، فستقومين وتطبخين. وإلا، فسيكون لي تصرف آخر معكِ بعد انتهاء الحفلة!.
كان هذا التهديد المبطن كافيًا لزرع الخوف والقلق في قلبي. لم يكن لدي عائلة قريبة ألتجئ إليها في تلك المدينة البعيدة، وكنت أخشى المشاكل وتفكك بيتي. وجدت نفسي محاصرة بين نار الألم الجسدي الشديد ونار التهديد بخراب حياتي الزوجية. لم يكن أمامي سوى الاستسلام التام لهذه الرغبة الأنانية. بدأ طارق في شراء المكونات وإلقائها في المطبخ أكياس من الأرز، كيلوغرامات من اللحوم والدجاج، خضروات متنوعة، وصناديق الفواكه ومستلزمات الحلويات. كان المطبخ يمتلئ بالبضائع، وكلما نظرتُ إلى تلك التلال من الأطعمة، شعرت بغثيان ورعب حقيقي من حجم الجهد الذي ينتظرني وجسدي المنهك لا يقوى على حمل نفسه.
وفي ليلة الحفلة، لم يستطع النوم يغزو جفوني. كان كاحلي يؤلمني بشدة من مجرد التفكير في الغد، وكان عقلي يدور في حلقة مفرغة من التساؤلات حول طبيعة المشاعر التي يكنها لي هذا الرجل. هل يراني شريكة حياة أم مجرد آلة تلبي طلباته دون مراعاة لمرض أو عجز؟ غلبني النعاس لقرابة ساعتين فقط، قبل أن يرن منبه الساعة الرابعة فجرًا، ليعلن بدء اليوم الأكثر قسوة وصعوبة في حياتي كلها.
الجزء الرابع جحيم المطبخ في الفجر
استيقظتُ في الرابعة فجرًا والظلام يلف المكان، والهدوء يعم الشارع. تحاملت على نفسي ونهضتُ من الفراش مستعينة بالعكازين. كان كل مفصل في جسدي يصرخ من التعب والبرد. توجهت إلى المطبخ وبدأت في إعداد المكان. وضعتُ كرسيًا عاليًا كما اقترح طارق بسخرية، لكنني سرعان ما اكتشفت أن الجلوس عليه يمنعني من الوصول إلى الرفوف العالية أو تقليب الحلل الكبيرة الموضوعة على عيون الموقف الخلفية. كنت مضطرة للوقوف على ساقي اليسرى السليمة، مستندة بعضدي الأيمن على العكاز، وممسكة بملعقة التقليب الكبيرة باليد الأخرى، بينما ساقي اليمنى المجبسة تتدلى ككتلة من الرصاص تسحب جسدي لأسفل.
بدأت بتقطيع البصل والخضار. كانت يداي ترتجفان من الإرهاق المبكر والألم النبضي الذي بدأ يتصاعد من كاحلي المكسور ويصل إلى ركبتي وأسفل ظهري. غسلت الدجاج واللحوم، وبدأت في تتبيلها ووضعها في الأفران. كانت حرارة المطبخ ترتفع تدريجيًا، وبدأ العرق يتصبب من جبيني ويختلط بدموعي التي لم تتوقف عن السيلان. ومع حلول الساعة الثامنة صباحًا، استيقظ طارق ودخل المطبخ بملابس النوم، تطلع إلى الأطباق التي بدأت تجهز، ولم يقل كلمة تشجيع واحدة، بل اكتفى بالقول رائحة الثوم قوية جدًا، تأكدي من تهوية المكان جيدًا حتى لا تلتصق الرائحة بملابسي. وعليكِ بالإسراع، فالوقت يمر سريعًا والضيوف سيصلون بعد الظهر. ثم غادر ليحضر لنفسه كوبًا من القهوة ويجلس في الشرفة يتصفح هاتفه.
مضت الساعات كأنها دهر. كانت الساعة الحادية عشرة صباحًا عندما شعرت بدوار شديد وكدت أسقط أرضًا لولا أنني تمسكت بحافة حوض الغسيل. كانت رجلي السليمة قد تيبست تمامًا من الوقوف المتواصل، والجبس بدأ يضغط على جلدي بسبب تورم القدم المتوقع من قلة الارتفاع والراحة. كنت أطبخ اللحم، وأجهز المقليات، وأخبز الكعك، وأصنع العصائر الطبيعية. كنت في سباق مع الزمن ومع الألم، وكل حركة كانت تتطلب مني جهدًا خرافيًا يعادل صعود جبل. ومع ذلك، لم يكن هناك مفر، فالخوف من غضب طارق وإحراجه أمام ضيوفه كان المحرك الوحيد المتبقي لجسدي المنهار.
الجزء الخامس الحفلة خلف الزجاج
بدأ الضيوف يتوافدون في تمام الساعة الثانية بعد الظهر. كنت أسمع أصوات ضحكاتهم العالية وأغانيهم تتردد من نافذة المطبخ المطلة على حمام السباحة في الفيلا المستأجرة. تطلعتُ من وراء الزجاج فرأيت طارق يرتدي ملابس صيفية أنيقة، يبتسم بملء فيه، ويرحب بالجميع وكأنه ملك متوج. كان يتنقل بين الضيوف، يمزح مع هذا ويضحك مع تلك، ممسكًا بكأس من العصير البارد الذي قمت بعصره وتصفيته بيدي المنهكتين قبل ساعات قليلة. لم يفكر للحظة واحدة في الدخول والاطمئنان عليّ، أو حتى إرسال أحد لمساعدتي في نقل الأطباق الثقيلة إلى الخارج.
كنت أقوم بنقل الصواني الساخنة والأطباق الكبيرة خطوة بخطوة، واضعة الصينية على كرسي متحرك صغير، ثم أدفعه أمامي ببطء مستخدمة العكازين، حتى أصل إلى طاولة الطعام الطويلة بالخارج، ثم أعود بسرعة للمطبخ قبل أن يلاحظني أحد من الضيوف في وضعي المخجل هذا. كنت أشعر بالخزي والمهانة؛ فالجميع يحتفل ويستمتع بالطقس الجميل والمياه المنعشة، بينما أنا سجينة المطبخ الساخن، أعمل كخادمة مهانة برجل مكسورة وعينين غارقتين في الدموع. كان بعض الضيوف يسألون طارق عني، فكنت أسمعه من بعيد يجيبهم ببرود إنها مشغولة ببعض اللمسات الأخيرة في المطبخ، تحب دائمًا أن تشرف على كل شيء بنفسها!. كانت كذبته تزيد من مرارة قلبي وتجعلني أدرك مدى زيف هذا الرجل وأنانيته المطلقة.
وصلت الساعة إلى الرابعة عصرًا، وكان التعب قد بلغ مني مبلغه. تيبس ظهري تمامًا ولم أعد قادرة على تحريك قدمي السليمة شبرًا واحدًا. جلستُ أخيرًا على الأرض الباردة للمطبخ، وأسندتُ ظهري إلى الثلاجة، وضمت صدري ذراعيّ وأنا أجهش بالبكاء بصوت كتمته بيدي حتى لا يسمعني أحد بالخارج. كنت أشعر بأن روحي تُسحق، وأن كرامتي وإنسانيتي قد تفتتت تحت أقدام أنانية زوجي الذي من المفترض أن يكون سندي وحمايتي في وقت ضعفي ومرضي.
الجزء السادس وصول الحماة والإنقاذ
بينما كنت مستلقية على أرض المطبخ وأبكي بحرقة، فُتح