قسوة زوجى

حياته، شعر بندم حقيقي ومرير على أنانيته وقسوته.
الجزء التاسع تفرق الضيوف وإغلاق الستار
بدأ الضيوف في الانسحاب هربًا من الموقف المحرج والمأساوي. تراجع زملائه ورؤسائه في العمل ببطء، وجمعوا متعلقاتهم وغادروا الفيلا واحدًا تلو الآخر دون أن ينطقوا بكلمة واحدة لطارق، بل كانوا يلقون عليّ بنظرات تجمع بين التعاطف الشديد والأسف لما مررت به. وفي غضون دقائق معدودة، خلت الحديقة وحمام السباحة من الجميع، ولم يتبقَ سوى الطاولات المليئة بالطعام والشراب التي أصبحت كشاهد على قسوة طارق والعدالة الإلهية التي تحققت في نفس اليوم.
بقيتُ واقفة في مكاني، أشعر بمزيج من المشاعر المتضاربة؛ الصدمة، الارتياح، والحزن الشديد على ما وصلت إليه حياتنا. اقتربت مني الحاجة فاطمة، وأمسكت بيدي بحنان، وقادتني بلطف شديد إلى الداخل، وأجلستني على أريكة مريحة، ثم رفعت ساقي المجبسة ووضعت أسفلها وسادة وارفة، كما أوصى الطبيب منذ البداية. نظرتْ إليّ وقالت وعيناها تفيضان بالدموع سامحيني يا بنتي.. أنا التي ربيته، لكنني لم أكن أعلم أن أنانيته ستصل به إلى هذا الحد من القسوة. أنتِ لستِ وحدكِ بعد اليوم، وأنا معكِ ولن أسمح له بلمسكِ أو إيذائكِ بكلمة واحدة.
أما طارق، فقد ظل جالسًا بالخارج لقرابة الساعة، يبكي بمفرده تحت أشعة الشمس الغاربة، وملابسه المبتلة قد جفت عليه. كان يدرك أنه خسر كل شيء في تلك الليلة خسر احترامه لنفسه، واحترام أصدقائه وزملائه في العمل الذين رأوه في أضعف وأسوأ حالاته، وخسر قبل كل شيء احترام والدته وزوجته. وعندما دخل المنزل أخيرًا، كان مطأطأ الرأس، عاجزًا عن النظر في عينيّ أو عيني والدته، وتوجه مباشرة إلى غرفته وأغلق الباب وراءه في صمت مطبق.
الجزء العاشر بداية جديدة ودرس العمر
في الأيام التي تلت تلك الحادثة، تغير كل شيء في بيتنا. كانت الحاجة فاطمة قد قررت البقاء معنا طوال فترة مرضي لتشرف على راحتي وتمنع طارق من محاولة الضغط عليّ بأي شكل من الأشكال. كان وجودها كدرع واقٍ لي، ومصدر قوة وطمأنينة لقلبي المنهك. أما طارق، فقد كان كخيال المآتة في المنزل؛ يتحرك بصمت، يقضي معظم وقته في غرفته، وإذا تحدث، يتحدث بنبرة خفيضة ومنكسرة، يملؤها الخجل والندم الشديد.
بعد أسبوعين من الحادثة، وفك الجبس أخيرًا، جلس طارق أمامي بحضور والدته. كان يبدو عليه أنه كبر عشر سنوات في تلك الفترة القصيرة. نظر إليّ وعيناه مليئتان بالندم الصادق وقال بصوت متهدج أنا آسف.. أعلم أن كلمة آسف لن تمحو الألم الجسدي والنفسي الذي سببته لكِ. كنتُ أنانيًا وأعمى، ولم أهتم سوى بمظهري أمام الناس على حساب صحتكِ وكرامتكِ. الدرس الذي لقنتني إياه أمي أمام الجميع كان قاسيًا ومدمرًا، لكنني أستحقه تمامًا، فقد أيقظني من غفلتي وجعلني أرى حقيقتي القبيحة. أرجوكِ، امنحيني فرصة واحدة لأثبت لكِ أنني يمكن أن أكون الزوج السند الذي يستحقكِ.
نظرتُ إليه بقلب هادئ، وشعرت بأن الجرح الشديد الذي تسبب فيه قد بدأ يلتئم تدريجيًا كعظام ساقي. لم أمنحه مغفرة كاملة وسريعة، بل قلت له بوضوح وبنبرة قوية ولدت من رحم المعاناة الفرصة لا تُمنح بالكلمات يا طارق، بل بالأفعال والوقت. لقد تعلمتُ في هذا الشهر أن صحتي وكرامتي خط أحمر لا يمكن تجاوزه لأي سبب، وأن الاحترام هو أساس أي زواج ناجح. إذا كنت تريد البقاء معي، فعليك أن تبني هذا الاحترام من جديد خطوة بخطوة. أومأ برأسه موافقًا والدموع في عينيه. بدأتُ رحلة التعافي الجسدي والنفسي، مدركة أنني خرجت من هذه التجربة القاسية أقوى، وبأن الله قد سخر لي من ينصفني ويحفظ لي كرامتي حتى في أشد لحظات ضعفي وانكساري.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *