جدتى محضرتش فرحى

جدتي ماقدرتش تحضر فرحي فقلت أجيب الفرح عندها في أوضة المستشفى. لكن أول ما دخلنا، بصت للعريس، وشاورت عليه وهي بتصرخ
إنت!! إزاي تكون إنت؟!
في اللحظة دي، بصلي العريس وهمس
لازم تعرفي الحقيقة وتعرفي أنا دخلت حياتك ليه. بعد اللي هقوله مفيش رجوع.
وأنا صغيرة، أبويا وأمي اختفوا من حياتي واحدة واحدة.
أبويا بطل يتصل.
وأمي كانت كل شوية تقول
أنا محتاجة أرتب حياتي.
لحد ما في يوم رجعت من المدرسة، ولقيت جدتي واقفة في المطبخ، ولسه لابسة الطرحة بتاعتها، وبتعمللي سندوتشات جبنة.
سألتها
ماما فين؟
ابتسمت وقالت
محتاجة شوية وقت يا حبيبتي.
قلت
قد إيه؟
ابتسمت أكتر، رغم إن عينيها كانوا مليانين وجع.
وقالت
لحد ما أعملك الغدا الأول.
ومن اليوم ده
ما سابتنيش.
كانت تحضرلي الأكل للمدرسة.
تقعد جنبي لما أصحى من الكوابيس.
وباعت دبلة جوازها عشان تركبلي تقويم أسنان.
وكل ما أعيط، تمسح دموعي وتقول
الحب الحقيقي عمره ما يبقى دين يا سارة.
وبقت هي كل دنيتي.
ولما الزهايمر بدأ ياخد منها ذكرياتها، وعدت نفسي بحاجة واحدة
إنها تشوفني بفستان الفرح قبل ما تنسى يعني إيه عروسة.
من كام شهر
عرفت شاب اسمه كريم.
كان طيب.
هادئ.
ومريح.
اتقابلنا في كافيه وقت مطرة.
فتحلي الباب.
اداني الجاكيت بتاعه.
افتكر القهوة اللي بحبها.
وخلاني أصدق إن الحب ممكن يبقى بسيط.
بعد

تلات شهور
كنت لابسة دبلته.
لكن صاحبتي المقربة، منى، ما كانتش مرتاحة.
بصتلي في يوم وقالت
يا سارة أنا عندي علبة زبادي في التلاجة بقالها مدة أطول من اللي إنتِ تعرفيه فيها.
ضحكت.
هي لأ.
قالت
ليه بيسألك كتير عن منطقتك القديمة؟ وعن أهلك؟ وعن بيت تيتة أمينة؟ مش حاسة إن ده غريب؟
قلت
عادي مهتم بيا.
قالت
أو يمكن عارف يدخلّك منين.
قلت لها إن تيتة شافت صورته وحبته.
وقالت إنه وشه طيب.
منى هزت راسها وقالت
هي شافت وشه لكن ما شافتش أسراره. وإنتِ كمان.
وقتها افتكرتها بس خايفة عليا.
يا ريتها كانت غلط.
قبل الفرح بيومين
المستشفى كلمونا.
الدكتورة قالت إن حالة تيتة بتسوء بسرعة.
وقالت
لو عايزينها تستوعب إنه فرحك تعالوا بسرعة. لأن أي حاجة ممكن تتغير.
بصيت لفستان الفرح.
وكلمت كريم.
قلتله
أوضة ٣١٤ هنجيب الفرح عندها.
وافق من غير تردد.
وفي نفس اليوم
حولنا أوضة المستشفى لفرح صغير.
ورد ورق على الحيطان.
وصوت جهاز القلب شغال بهدوء.
وتيتة قاعدة على السرير، ولابسة عقد اللولي القديم بتاع ماما.
أول ما شافتني بالفستان
وشها نور.
وقالت وهي بتبتسم
بنتي
ولمست الفستان بإيديها المرتعشة.
وقالت
بقيتي عروسة.
قلت
أيوه.
دموعها نزلت.
وقالت
ومين العريس؟
قلت
كريم اللي وريتك صورته.
ابتسمت.
وقالت
وشه طيب.
وبعدين بصتلي وسألتني سؤال لحد النهارده مش قادر أنساه.
الوش الطيب حلو بس قلبه طيب؟
بلعت ريقي.
وقلت
أعتقد.
مسكت إيدي جامد.
وقالت
ما تفتكريش اعرفي.
بعد شوية
المأذون بدأ يقرأ.
صاحبتي ظبطت الطرحة.
والممرضة بعدت أسلاك الأجهزة.
وفي اللحظة دي
كريم دخل أوضة ٣١٤.
كان متوتر.
افتكرت ده طبيعي.
ابتسمت وقلتله
مالك؟ شكلك مرعوب.
ضحك وقال
يوم كبير.
وقرب مني ومد إيده.
لكن وهو بيمدها
كم الجاكيت طلع لفوق.
ولأول مرة
تيتة شافت الندبة الكبيرة اللي قاطعة رسغه الشمال.
في ثانية
وشها اتغير.
ابتسامتها اختفت.
إيديها راحت على عقد اللولي.
وهمست
لأ
وبعدين صرخت
لأ لأ لأ!
العقد اتقطع.
وحبات اللولي اتناثرت في الأرض.
وشاورت على كريم وهي بتصرخ
إنت!! إزاي تكون إنت؟!
الأوضة كلها سكتت.
كريم نزل الكم بسرعة
بسرعة زيادة.
وفي اللحظة دي
بطلت أحس إني عروسة.
بصيتله وقلت
وريني إيدك.
بصلي بنفس النظرة اللي وثقت فيها بسرعة.
وقال بصوت واطي
يا سارة لازم تعرفي الحقيقة وتعرفي أنا دخلت حياتك ليه. وبعد اللي هتعرفيه مفيش أي رجوع
سكتت الأوضة كلها، مفيش صوت غير تنفس تيتة المتقطع ونبضات الجهاز اللي بدأت تسرع زي ما قلبها بيحاول يهرب من الذكرى اللي رجعت فجأة. كريم باصص للأرض أولًا، بعدين رفع عينه ناحيتي وبدا يتكلم بصوت هادي ومتثاقل، كل كلمة بتطلع منه كأنها محملة بوزن سنين طويلة
أنا لقيتك يا سارة مش صدفة زي ما كنتِ فاكرة. ولا المطر هو اللي جمعنا أول مرة. كنت أتابعك من بعيد من زمان، أعرف كل خطوة بتخطيها، كل طريق تمشي فيه، كل حكاية تحكيها لجدتك لأن الحكاية دي بدأت قبل ما تخلقي أنتِ أصلاً.
خطا خطوة صغيرة لقدام، ورفع كمه ببطء المرة دي من غير ما يخبي وظهرت الندبة الطويلة واضحة قدام الكل. تيتة كانت ماسكة طرف الغطاء بأصابعها اللي بترتعش، وعينيها مثبتة عليها كأنها بتشوف شبح من الماضي.
كمل
هذه الندبة جابتها تيتة أمينة نفسها قبل عشرين سنة بالظبط. في نفس الشارع القديم، قدام البيت اللي كنتِ عايشة فيه وأبويا كان شغال عنده. ساعتها كان أبويا شريك في مشروع، واتسرق كل فلوسه واتهموه بالغش، وكل الدلائل كانت متلزقة فيه إلا شخص واحد بس كان يعرف الحقيقة جدتك.
لف ناحيتها وهي بتبصله بترقب ووجع قديم راجع من جديد
أنتِ اللي شفتي اللي حصل لكنهم هددوكِ، وقالولكِ لو تكلمي هتضيعي كل حاجة، وهتتأذى بنتك اللي هي مامتك وطفلها اللي جاي. ساعتها كنتِ خايفة عليها أكتر من أي حاجة، فسكتِ بس قبل ما تسكتي، حاولتي تمنعيهم من كسر الدليل، وجرحتِ إيدي بالسكينة دي.
همست تيتة بصوت ضعيف مكسور
وكنت فاكرة إنكم اختفيتم ومحدش هيعرف أبدًا
قال كريم ودموعه بدأت تنزل
اختفيينا بس مش نسينا. أبويا مات بعدها بسنوات وهو مكسور القلب ومش قادر يبرأ اسمه. وأنا كبرت وأنا معايا هدف واحد أرجع أجمع الخيوط اللي اتقطعت، وأعرف الحقيقة كاملة وأوصل للي بقي منكم، عشان أشرح وأصلح ما يمكن إصلاحه.
بصلي أنا، وقلبي كان
لمحة نيوز

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *