ابنى اتجوز
لأحمد بصدمة.
ثم بصت لأبوها.
ثم رجعت تبص للورقة مرة تانية كأنها مش مصدقة المكتوب.
أبوها خطف الظرف من إيدها.
قرأ أول كام سطر…
وفجأة اتغيرت ملامحه تمامًا.
قال بعصبية أحمد… الكلام ده حقيقي؟!
أحمد حاول ياخد الورقة منه وهو بيقول اديني الجواب… دي حاجة بيني وبين أمي.
لكن أبو مراتُه زعق فيه قدام كل المعازيم
لأ… بعد اللي قريته، الموضوع بقى يخص كل واحد واقف هنا.
في اللحظة دي بدأ الهمس ينتشر بين الضيوف.
إيه اللي حصل؟
في إيه؟
هو الجواب فيه إيه؟
وأم مرات أحمد قربت وهي مرتبكة، لكن أول ما عينيها وقعت على آخر الورقة، حطت إيديها على بقها، ورجعت خطوة لورا وهي بتقول
يا نهار أبيض…
وفي نفس الثانية…
رن جرس الشقة.
رنّة طويلة ومتتالية.
أحمد اتلفت ناحية الباب وقلبه بيدق بعنف…
لأنه كان متأكد إن الشخص اللي واقف برا، جاي بسبب اللي مكتوب في الرسالة… وليس بسبب السبوع جرس الباب فضل يرن بإلحاح.
مرة… واتنين… وتلاتة.
الضحك اختفى من الشقة، والمزيكا بقت واطية، وكل المعازيم بصوا ناحية الباب.
أحمد بلع ريقه واتجه يفتح.
أول ما فتح الباب، لقى راجل كبير واقف، لابس بدلة بسيطة، وفي إيده شنطة جلد قديمة مليانة أوراق.
الراجل سأل بهدوء الأستاذ أحمد محمود؟
أحمد هز راسه وهو متوتر أيوه… أنا.
الراجل مدله كارت وقال أنا جاي بناءً على طلب الحاجة أمينة… والدتك.
قلب أحمد وقع.
أمي؟!
الراجل قال أيوه… وهي طلبت إن الحضور يكونوا موجودين كلهم، خصوصًا أهل المدام.
أبو مرات أحمد اتدخل وقال إحنا موجودين… خير؟
الراجل دخل بخطوات هادئة، وحط الشنطة على الترابيزة، وطلع منها ملف كبير مغلق بختم أحمر.
المعازيم بقوا ساكتين تمامًا.
فتح الملف، وأخرج ورقة وقال قبل ما أتكلم، أحب أوضح إن الحاجة أمينة كانت عندي من أسبوع، وكانت واعية جدًا بكل كلمة قالتها، وطلبت مني منفذش اللي في الملف إلا بعد ما تسيب الشقة.
مرات أحمد بصت لجوزها بخوف هي عملت إيه؟
الراجل كمل قالتلي بالحرف… لو ابني خرجني من بيتي بإرادته، يبقى افتح الملف قدام كل الناس، عشان الحقيقة متتدفنش.
أحمد صرخ اقفل الملف! أنا مش موافق.
الراجل رد بهدوء بعد إذنك… موافقتك مش مطلوبة.
وأخرج أول ورقة.
بص فيها وقال دي صورة من عقد الشقة.
أحمد قال بسرعة ما هي شقة أبويا.
الراجل هز راسه وقال كانت شقة والدك… لكن بعد وفاته حصل إجراء قانوني محدد.
كل الموجودين بقوا مركزين مع كل كلمة.
الراجل طلع ورقة تانية مختومة بختم رسمي، وقال
والدتك باعت دهبها الوحيد بعد وفاة والدك، وسددت باقي أقساط الشقة، وبعدها تم تسجيل الجزء المتبقي من الملكية بالإجراءات القانونية باسمها.
وش أحمد اصفر.
مراته بصتله وقالت بصوت واطي يعني… الشقة مش باسمك؟
أحمد مردش.
الراجل أخرج ورقة ثالثة وقال وده إنذار قانوني تم تجهيزه، لكن الحاجة أمينة قالت متسلمهوش إلا لو اتأكدت إنها خرجت من الشقة بإجبار.
أبو مرات أحمد قال بقلق إنذار بإيه؟
الراجل بص في الورقة، ثم رفع عينه لأحمد وقال
إنذار بالمطالبة بإخلاء الشقة فورًا… وفتح دعوى لإثبات تعرضها للطرد والإساءة.
ساد صمت ثقيل…
وأحمد حس لأول مرة إن الأرض بتميد تحت رجليه.
لكن قبل ما ينطق بحرف…
خرج الراجل من الملف ظرفًا أخيرًا، وقال
وده… أخطر حاجة في الملف.
بص أحمد للظرف، واتسعت عينيه فجأة…
لأنه عرفه من أول نظرة.
كان نفس الظرف اللي شافه مع أمه قبل وفاة والده بسنين… واللي كان فاكر إنه اتحرق واختفى للأبد أحمد جري ناحية الظرف وهو بيقول بانفعال
لأ… الظرف ده مش يتفتح!
لكن الراجل رجّعه لورا بإيده وقال بهدوء
الحاجة أمينة قالت لو حاول يمنعك، افتحه قدام الناس.
كل اللي في الشقة بقى مركز.
حتى الطفل الصغير بطل عياط للحظات، وكأن المكان كله مستني اللي هيتقال.
فتح الراجل الظرف ببطء.
طلع منه ورقة مطوية وصورة قديمة.
رفع الصورة الأول.
كانت صورة لأحمد وهو عنده سبع سنين، نايم في حضن أمه، وأبوه واقف جنبهم بيضحك.
قلب أحمد وجعه أول ما شافها.
الراجل قلب الصورة على ضهرها وقال
اقروا المكتوب.
بص أبو مرات أحمد وقرأ بصوت مسموع
لو أنا مت قبلك يا أم أحمد… أوعي في يوم تتنازلي عن حقك علشان حد، حتى لو كان أحمد نفسه. ربيه على البر، لكن لو جه اليوم اللي يطردك فيه من بيتك، يبقى اعرفي إنك عملتي اللي عليكي… وساعتها خدي حقك ومتضعفيش.
القاعة كلها سكتت.
أم مرات أحمد نزلت عينيها في الأرض.
أما أحمد ففضل باصص للصورة وكأنه رجع طفل صغير.
الراجل طلع الورقة اللي كانت مع الصورة وقال
دي مش وصية قانونية… دي رسالة كتبها المرحوم بإيده قبل وفاته بأيام.
ثم بدأ يقرأ
يا أم أحمد… لو ابني في يوم نسي تعبك، فكريه إن البيت اتبنى بعرقنا إحنا الاتنين، وإنك بعتي شبكتك ودهبك عشان يفضل سقف فوق راسه. ولو اختار يكسرك عشان يرضي الناس، يبقى الناس دول مش هيعيشوا معاه العمر كله… لكن كسرته ليكي هتفضل في قلبه طول عمره.
صوت البكاء بدأ يطلع من أكتر من واحدة في المعازيم.
مرات أحمد بصت لجوزها بصدمة وقالت
إنت… عمرك ما قلتلي إن حماتك باعت دهبها عشان الشقة.
أحمد مقدرش يرد.
كان باصص في الأرض.
وفجأة…
رن تليفون الراجل.
بص فيه، ثم قال
الحاجة أمينة على الخط.
مدّ التليفون ناحية أحمد وقال
قالت أول شخص يكلمها يكون ابنها.
إيد أحمد كانت بترتعش وهو بياخد الموبايل…
لكن أول ما حطه على ودنه…
سمع صوت أمه هادي جدًا وهي بتقول
أنا مش عايزة الشقة يا أحمد… ولا عايزة أحاكمك… أنا بس كنت عايزة أعرف، قبل ما أموت… إذا كان ابني لسه موجود، ولا مات يوم ما قالي رجلك والقبر.
وسكتت…
أما أحمد، فانهار واقف وسط الناس، وعجز يطلع أي كلمة أحمد فضل ماسك الموبايل… لكن ولا حرف خرج من بقه.
دموعه نزلت لأول مرة من سنين.
قال بصوت مكسور
سامحيني يا أمي… والله ما كنت أقصد.
لكن الرد مجاش.
كان كل اللي سامعه صوت نفسها الهادي على الطرف التاني.
بعد لحظات قالت
أنا مش بزعل من الفقر يا أحمد… أنا زعلت إن ابني استكتر عليَّ أوضة فيها ريحة أبوه.
وقف أحمد يسند على الحيطة.
المعازيم كلهم ساكتين.
حتى أهل مراته، اللي كانوا من شوية بيتكلموا عن أوضة البيبي، بقوا منزلين راسهم.
أبو مرات أحمد أخد نفس طويل، وبص لبنته وقال
إحنا عمرنا ما طلبنا منه يطلع أمه من البيت.
مرات أحمد اتوترت وقالت بسرعة
أنا… أنا كل اللي قولته إن نفسي يبقى لابني أوضة زي أختي.
أبوها زعق فيها
ولو كان تمن الأوضة دي أم راجلِك؟!
سكتت وهي مش لاقية ترد.
في اللحظة دي، الراجل اللي جاب الملف طلع ورقة صغيرة من جيبه وقال
الحاجة أمينة طلبت مني أسلم الورقة دي لأحمد بعد ما يخلص كل اللي حصل.
ناولها له.
أحمد فتحها بإيد مرتعشة.
كان مكتوب فيها بخط أمه
يا أحمد… لو أنت بتقرأ الورقة دي، يبقى أنا خرجت من البيت بإرادتي عشان ما أشوفش نفسي تقيلة عليك. متدورش عليا غير لما تكون جاي تاخدني أمك… مش عشان محتاج أوضتي.
تحت الرسالة كان فيه عنوان.
لكن أحمد أول ما شاف العنوان، اتغير وشه.
العنوان مكان عمره ما كان يتخيل إن أمه تروحه.
رفع عينه بسرعة وقال للراجل
هي راحت هناك؟!
الراجل هز رأسه وقال
هي قالتلي لو ابني افتكرني بعد ما يخلص السبوع، يبقى اديله العنوان. أما لو مفتكرنيش… مزق الورقة.
أحمد جرى ناحية الباب من غير حتى ما يبدل هدومه.
وراءه مراته بتنادي عليه.
وأهلها