ابنى اتجوز

بيبصوله في ذهول.
نزل السلم وهو بيجري، وقلبه بيدق بعنف.
كان كل اللي في دماغه سؤال واحد…
يا ترى هيلحق أمه… ولا يكون فات الأوان؟أحمد ركب عربيته وهو مش شايف قدامه من كتر الدموع.
فضل يبص في الورقة كل شوية، والعنوان محفور قدام عينيه.
كان المكان في طرف المدينة… دار بسيطة لرعاية المسنين.
قال لنفسه وهو بيدوس بنزين
مستحيل… أمي تروح دار؟! دي كانت بتقول طول عمرها أموت ولا أدخل دار.
وصل بعد أقل من نص ساعة.
نزل يجري، ودخل الاستقبال وهو بيقول بصوت مخنوق
لو سمحت… الحاجة أمينة محمود… جات هنا؟
الموظفة بصت في الدفتر، ثم رفعت عينيها وقالت
أيوه… وصلت من ساعتين.
أحمد حس إن روحه رجعتله.
قال بسرعة
فين؟ عايز أشوفها.
لكن الموظفة ما اتحركتش.
فتحت درج المكتب، وطلعت ظرف أبيض.
وقالت بهدوء
قالت لو ابنها جه، أسلمه الظرف الأول… ولو بعد ما يقرأه لسه عايز يشوفني، ابقوا دخلوه.
أحمد فتح الظرف وهو بيرتعش.
كان فيه مفتاح الشقة…
ونصف سلسلة دهب قديمة.
عرفها من أول نظرة.
دي السلسلة اللي أبوه جابهالها أول سنة جواز، وكانت باعت نصفها زمان عشان تكمل أقساط الشقة.
أما النصف التاني، فكانت محتفظة بيه طول السنين.
ومعاه ورقة صغيرة مكتوب فيها
المفتاح رجع لصاحبه… أما السلسلة، فافتكر بيها إن الست اللي باعت نصها عشان تعيشك، متستاهلش تبيع كرامتها عشان تعيش عندك.
وقعت الورقة من إيده.
وقبل ما ينحني يجيبها…
سمع صوت مألوف خارج المكتب.
صوت أمه…
كانت بتضحك مع سيدة كبيرة في السن لأول مرة من يوم خرجت من البيت.
أحمد لف ببطء ناحية الصوت…
وشافها من بعيد.
لابسة نفس الجلابية اللي خرجت بيها، لكن وشها كان هادي بشكل وجعه أكتر من أي دموع.
رفع رجله عشان يمشي ناحيتها…
لكن وقف مكانه.
لأنه سمعها بتقول للسيدة اللي جنبها
عارفة… أصعب حاجة مش إن ابنك يطلعك من بيته… أصعب حاجة إنه يخليك تحسي إن وجودك بقى حمل عليه.
الكلمات دي خلت أحمد يعجز عن الحركة.
فضل واقف مستخبي ورا باب الممر…
يبكي في صمت…
ويحاول يجمع شجاعة تكفيه إنه ينطق كلمة واحدة…
يا أمي…أحمد أخد نفسًا عميقًا، ومسح دموعه بطرف كُمّه.
طلع من ورا الباب بخطوات بطيئة.
أول ما شافته أمه… سكتت.
السيدة اللي كانت قاعدة جنبها قامت بهدوء، وحست إن بينهم كلام عمره سنين.
أحمد وقف قدامها، لكن مقدرش يرفع عينه في عينها.
نزل على ركبته قدامها، ومسك طرف إيدها المرتعشة.
وقال بصوت مخنوق
أنا غلطت يا أمي… غلطت الغلطة اللي ملهاش غفران. سامحيني.
أمه سحبت إيدها برفق.
وقالت وهي باصة قدامها
أنا ربيتك راجل يا أحمد… مش عشان تيجي تعتذر بعد ما الناس كلها تعرف، لكن عشان عمرك ما توصلني للي أنا فيه.
بكى أحمد بحرقة.
وقال
والله ما كنت شايف… كنت فاكر إني بعمل الصح.
ردت بهدوء
اللي يخاف من كلام الناس، بيضيع أقرب الناس ليه.
في اللحظة دي، دخلت مرات أحمد وهي بتجري.
وشها كان شاحب، وعينيها مليانة دموع.
وقفت قدام حماتها، وانحنت تبوس إيدها، لكن الحاجة أمينة سحبت إيدها.
قالت الزوجة وهي بتبكي
حقك عليّ يا ماما… أنا عمري ما كنت أتمنى تمشي من بيتك.
بصتلها الحاجة أمينة وقالت
يمكن إنتِ ما طلبتيش… لكن لما شوفتيه بيكسر قلب أمه، سكتِّ.
نزلت الزوجة رأسها، ومقدرتش تنطق.
وأحمد فضل يبكي وهو حاسس إن كل كلمة بتكشف له قد إيه كان بعيد عن أمه.
وفي نفس اللحظة…
دخل موظف الدار وهو ماسك ورقة وقال
لو سمحتم… في حد برا بيسأل على الحاجة أمينة، ومعاه خبر مهم بخصوص البيت القديم.
اتلفت الجميع ناحية الباب…
وتغيرت ملامح الحاجة أمينة فجأة.
عرفت الاسم أول ما الموظف نطق به…
لكنها سكتت، وأحمد فهم من نظرة عينيها إن الشخص اللي وصل دلوقتي، هيقلب كل اللي حصل رأسًا على عقب الموظف بص في الورقة مرة تانية وقال
الراجل اسمه… الحاج عبدالعظيم.
أول ما الحاجة أمينة سمعت الاسم، إيديها ارتعشت.
أحمد استغرب.
مين الحاج عبدالعظيم يا أمي؟
ردت بصوت واطي
ده… كان أقرب صاحب لأبوك.
بعد ثواني، دخل راجل كبير في السن، شعره كله أبيض، وماسك شنطة جلد قديمة.
أول ما شاف الحاجة أمينة، قال
الحمد لله إني لحقتك.
ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت
خير يا حاج عبدالعظيم؟
بص لأحمد، ثم قال
الكلام اللي عندي لازم يتقال قدام ابنك.
قلب أحمد دق بسرعة.
فتح الحاج عبدالعظيم الشنطة، وطلع ملفًا مغبرًا.
وقال
من أسبوعين كنت بنضف مخزن قديم كان بتاع أبوك، ولقيت الملف ده.
فتح الملف، وأخرج مجموعة أوراق صفراء من الزمن.
ثم قال
أبوك قبل ما يموت، كان اشترى قطعة أرض صغيرة على أطراف البلد، وكان بيدفع أقساطها.
اتسعت عينا أحمد.
أرض؟! أنا أول مرة أسمع.
هز الرجل رأسه وقال
لأن أبوك أوصاني محدش يعرف غير أمك… لحد ما تكبر وتبقى راجل.
التفت إلى الحاجة أمينة وقال
بس بعد وفاته، إنتِ رفضتي تكملي الأقساط… لأن كل فلوسك كانت بتروح على تعليم أحمد وأكله ولبسه.
نزلت دموع الحاجة أمينة.
وقالت
كنت أبيع الدنيا كلها… ولا أشوف ابني محتاج.
سكت المكان كله.
ثم أخرج الحاج عبدالعظيم ورقة أخيرة، وقال
من كام شهر، هيئة المساحة أعلنت إن الأرض دي دخلت في مشروع جديد… وتعويضها دلوقتي بمبلغ كبير جدًا.
أحمد شهق.
لكن الحاج عبدالعظيم رفع إصبعه وقال
استنى… في حاجة أهم.
ثم نظر مباشرة إلى أحمد وقال
الورثة الشرعيون لازم يوقعوا مع بعض… وموافقة والدتك أساسية.
أحمد شعر أن الدنيا تدور به.
لم يعد يفكر في الأرض ولا في المال.
نظر إلى أمه، ثم اقترب منها ببطء، وقال والدموع تملأ عينيه
والله يا أمي… لو الأرض دي بقت بكنوز الدنيا، أنا مش عايز منها جنيه واحد… أنا عايزك ترجعي تقوليلي يا ابني.
الحاجة أمينة رفعت عينيها إليه…
لكنها لم تجبه.
ظل الصمت يملأ المكان…
وكأن القرار الذي ستقوله بعد لحظات سيحدد مصير علاقتهما إلى الأبد الحاجة أمينة فضلت باصة في وش أحمد ثواني طويلة.
كان بيبكي زي الطفل… نفس الطفل اللي كانت تشيله على كتفها وهي ماشية في المطر عشان توصله المدرسة.
تنهدت وقالت بهدوء
تعرف يا أحمد… أصعب حاجة في الدنيا إن الأم تشوف ابنها بيتغير قدام عينيها، ومتعرفش ترجعه.
أحمد مسح دموعه وقال
ارجعي معايا يا أمي… وأنا أوعدك، أوضتك هتفضل زي ما هي، ومحدش هيدخلها.
هزت رأسها بالنفي.
لا… مش دلوقتي.
اتصدم.
ليه يا أمي؟
قالت وهي بتبص في عينه
لأنك لسه جايبني عشان ضميرك وجعك… وأنا عايزة ترجعني عشان قلبك محتاجني.
سكت أحمد.
لأنه عارف إنها معاها حق.
في اللحظة دي، أبو مرات أحمد قرب منها، وقال بصوت مليان خجل
يا حاجة أمينة… إحنا ظلمناكي حتى بسكوتنا. سامحينا.
ثم التفت لبنته وقال بحدة
من النهارده لو خيروكي بين بيتك وبين أم جوزك… يبقى ترجعي لأم جوزك قبل أي حاجة.
انفجرت الزوجة في البكاء.
ورمت نفسها عند رجلَي حماتها.
سامحيني… أنا كنت بجري ورا المظاهر. كنت عايزة أوضة أفرج بيها الناس، ونسيت إن البيت اللي مفيهوش رضا الأم عمره ما يعرف البركة.
الحاجة أمينة حطت إيدها على رأسها، لكنها قالت
السماح سهل… إنما الثقة لما تتكسر، بتاخد وقت.
سكت الجميع.
ثم مد الحاج عبدالعظيم الملف لأحمد وقال
أبوك كان دايمًا يقول الثروة الحقيقية مش الأرض… الثروة إن البيت يفضل فيه أم راضية.
أحمد أخد الملف، وقفله من غير حتى ما يبص جواه.
وقال
أنا مش هفتح أي ورقة… قبل ما أرجع رضا أمي.
وفي اللحظة دي…
رن تليفون الحاجة أمينة.
بصت للشاشة، واتغير لون وشها.
أحمد قال بقلق
مين يا أمي؟
قالت وهي بترد
ده… جارنا في البيت القديم.
حطت التليفون على ودنها، وفجأة اتغيرت ملامحها تمامًا.
وقفت من مكانها وهي بتقول بصدمة
إيه؟!… البيت القديم وقع؟!
اتسعت عيون
أحمد…
وسقط الهاتف من يد أمه على الأرض…
وانقطع الاتصال سقط الموبايل من إيد الحاجة أمينة، وأحمد التقطه بسرعة.
لكن الخط كان اتقفل.
اتصل بالرقم تاني… مفيش رد.
قال وهو بيجري ناحية الباب
يلا يا أمي… لازم نروح.
ركبوا العربية، والحاج عبدالعظيم ركب معاهم.
طول الطريق، الحاجة أمينة كانت ساكتة، وعينيها مليانة دموع.
قالت بصوت مبحوح
الحمد لله… الحمد لله إني مرضيتش أرجع أقعد فيه.
أحمد حس بقلبه بيتقطع.
افتكر اليوم اللي وقف قدام أمه وقال لها بكل قسوة
البيت زي الفل… أنتي بس اللي بتكبري المواضيع.
وصلوا بعد دقائق.
لقوا الناس متجمعة في الشارع.
جزء كبير من سقف البيت القديم كان وقع فعلًا، والحيطة الأمامية اتشرخت شروخ كبيرة.
الشرطة والحماية المدنية كانوا بيمنعوا الناس تقرب.
الجار أول ما شاف الحاجة أمينة قال
الحمد لله إنك مجتيش تقعدي فيه… الانهيار حصل من أقل من ساعة.
أحمد بص للبيت، ورجليه مبقتش شايلينه.
لو أمه كانت نفذت كلامه…
كانت هتكون جوه البيت وقت الانهيار.
وقع على ركبتيه في نص الشارع، ودفن وشه بين إيديه وهو بيبكي بحرقة.
قال
أنا كنت هموتك بإيدي… سامحيني يا أمي.
الحاجة أمينة بصت للبيت، ثم بصت لابنها.
ولأول مرة من وقت ما خرجت من الشقة…
مدت إيدها وربتت على كتفه.
وقالت
اللي حصل درس من ربنا… عشان تعرف إن كلمة ممكن تبني إنسان، وممكن تهده.
رفع أحمد راسه بسرعة، ومسك إيدها وباسها.
أقسم بالله يا أمي، من النهارده إنتِ أول واحدة في حياتي، ولو اضطر أبيع الشقة كلها، عمري ما هسمح إنك تحسي إنك ضيفة في بيتك.
وقبل ما ترد…
سمعوا صوت أحد العمال وهو بيصرخ
استنوا… لقينا صندوق حديدي تحت أنقاض البيت!
التفت الجميع ناحية الأنقاض…
والحماية المدنية بدأت تخرجه بحذر.
أما الحاجة أمينة، فاتسعت عيناها فجأة، وهمست
الصندوق ده… أبو أحمد دفنه بنفسه قبل ما يموت…رجال الحماية المدنية خرجوا الصندوق بصعوبة.
كان مغطى بالتراب والصدأ، لكن القفل بتاعه لسه سليم.
الحاجة أمينة قربت وهي بتترعش، وقالت
أبوك دفنه قبل ما يموت بيومين… وقالي لو ربنا أراد والبيت وقع في يوم، يبقى الصندوق يطلع لصاحبه.
بص أحمد لأمه باستغراب.
الحاج عبد العظيم أخذ مفتاحًا صغيرًا من جيبه وقال
المفتاح ده كان عندي من يوم وفاة أبوك.
فتح القفل…
اتفتح الصندوق ببطء.
كان جواه مصحف قديم، وساعة يد، وصرة قماش صغيرة، وخطاب.
الحاجة أمينة حضنت المصحف وهي بتبكي.
أما أحمد، ففتح الخطاب.
كان مكتوب فيه بخط أبوه
يا أحمد… لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى أنا خلاص في ذمة الله، ويمكن أمك كبرت. افتكر إن الست دي باعت شبابها وفرحتها ودهبها عشان تربيك. لو في يوم خيروك بينها وبين الدنيا كلها… اختار أمك، لأن الدنيا بتتعوض، لكن الأم لو انكسرت، عمرها ما ترجع زي الأول.
لم يستطع أحمد أن يكمل القراءة.
أغلق الخطاب، واحتضنه وهو يبكي بحرقة.
ثم وقف أمام الناس كلهم، وأمام أمه، وقال
أنا شاهد على نفسي… الشقة دي من النهارده باسم أمي وحدها، وأنا اللي همشي منها لو وجودي هيضايقها. وأول مرتب هقبضه هبدأ أوفر عشان أجيب بيت ليا أنا ومراتي وابني. لكن أمي… هتفضل صاحبة البيت وصاحبة الفضل.
الحاجة أمينة نظرت إليه طويلًا.
ثم اقتربت منه.
وضعت يدها على رأسه كما كانت تفعل وهو صغير.
وقالت وهي تبكي
أنا مش عايزة شقة… ولا أرض… ولا فلوس. أنا كنت عايزة ابني يرجعلي.
ارتمى أحمد في حضنها وهو يبكي كالأطفال.
وبكت هي الأخرى، وربتت على ظهره.
أما زوجته، فتقدمت وقبلت يد حماتها وقالت
من النهارده هعتبرك أمي قبل ما تكوني أم جوزي.
ابتسمت الحاجة أمينة لأول مرة منذ أيام.
وبعد عدة أشهر…
انتقل أحمد مع زوجته وطفله إلى شقة صغيرة بالإيجار، بدأ فيها حياته من جديد.
أما شقة والده، فبقيت كما هي، تسكنها الحاجة أمينة، لكنها لم تعد وحدها.
كان أحمد يزورها كل يوم تقريبًا، يتناول الغداء معها، ويجلس تحت قدميها يستمع إلى حكايات أبيه، وكأنه يعوض كل لحظة قسوة مضت.
وكان كلما نظر إلى صورة والده المعلقة على الحائط، يردد
سامحني يا أبي… تأخرت، لكني فهمت وصيتك.
تمت.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *