فلوس حماتى
وكأنها بتفتش في وكر مخـ . ـدرات؟”
أحمد سكت ونزل رأسه في الأرض، ملقاش كلمة واحدة يرد بيها.
قلت للظابط: “يا فنـ . ـدم، أنا مش هتنازل عن حقي في المحضـ . ـر بتاعي غير لما أخت جوزي تيجي هنا وتعتذر لي قدام الكل، وتتعهد إنها متجيبش سيرتي تاني، وحمـ . ـاتي تعتذر لي بكلمة واضحة قدامكِ هنا في المكتب.”
الظابط هز رأسه احترماً لموقفي: “ده حقكِ القانوني يا مدام.”
ساعتين مرت في مكتب التحقيق كأنها دهر. أحمد اتصل بأخته شيماء، وجات وهي ميـ . ـتة من الرعـ . ـب، وأول ما دخلت وشافت شاشة الكمبيوتر لسه مفتوحة على صورتها، انهارت واعترفت بكل حاجة.
“أنا آسفة يا ماما… أنا اللي خدت المفتاح من رقبتكِ وإنتي نايمة العصر يوم الأربع، وعملت عليه نسخة. وخدت الكارت يوم الخميس وسحبت الفلوس ورجعته تاني من غير ما تحسي… جوزي كان محبـ . ـوس في واصل أمانات ومكنش قدامي حل تاني، ونور دايماً معاها فلوس وبتشتغـ . ـل فقلت محدش هيشـ . ـك فيا أنا!”
كانت بتتكلم وهي بتبكي وتترجاني، وحمـ . ـاتي قاعدة زي الجـ . ـثة الهامدة، الكبرياء اللي كانت عايشة بيه علينا اتهد في ثانية، والست اللي كانت بتعـ . ـايرني بأهلي وبشـ . ـكلي، بقت مش قادرة ترفع عينها في عيني.
بعد ما شيماء وقـ . ـعت على الإقرارات، وحمـ . ـاتي اعتذرت بصوت مرعـ . ـوب وذـ . ليل، أنا وقـ . ـعت على التنازل عن محضـ . ـري. مش عشانهم، عشان ابني ميبقاش عمتو وجدتو سوابق في الأقسام.
خرجـ . ـنا من القسـ . ـم، الشمس كانت بدأت تغيب. أحمد قرب مني ومد إيده يمسك كتفي:
“نور… يلا بينا على البيت، أنا عارف إني غـ . ـلـ . ـطت، بس والله الصدمة كانت شديدة عليا، أمي وشيماء…”
شيلت إيده من على كتفي بكل هدوء وبصيتله:
“بيت إيه يا أحمد؟ أنا رايحة بيت بابا.”
أحمد اتخض: “بيت بابا إيه يا نور؟ الموضوع خلص والحقيقة ظهرت وأمي اتكسـ . ـرت قدامكِ خلاص، مفيش داعي للزعل ده كله!”
”الزعل؟” قلتها وأنا كاتمة صـ . ـرخة وجـ . ـع بقالها تلات سنين في قلبي.
“إنت فاكر الموضوع موضوع الـ 50 ألف جـ . ـنيه يا أحمد؟ الفلوس دي كانت القشة اللي قسـ . ـمت ظهر البعير. أنا بقالي تلات سنين بستحمل إهانات من أمكِ، تقليل مني ومن أهلي، تخليني أسيّق وأطبخ وأغسل وأنا ساكتة عشان بحبكِ، وعشان إنت قولتلي ‘أمي ملهاش غيرنا’.. وفي أول اختبار حقيقي لكرامتي وشـ . ـرفي، إنت أول واحد شـ . ـك فيا! إنت مكنتش السند يا أحمد، إنت كنت السـ . ـكينة اللي اتغرزت في ضهري.”
”يا نور، أنا جوزكِ، وابننا…”
قاطعته: “ابننا معايا. أنا مش هعيش مع راجل الأمان معاه مجرد كلمة على الورق. إنت بعتني في ثانية عشان ترضي أمكِ، ولما ظهرت الحقيقة، جاي تقولي يلا على البيت كأننا كنا في فُسحة؟”
سبته واقف في الشارع مذهول، وركبت تاكسي، وطلعت على بيت أهلي في مصر الجديدة.
أول ما دخلت بيت بابا، وارتميـ . ـت في حـ . ـضن أمي، عيـ . ـطت… عيـ . ـطت تلات سنين من الكتمان، تلات سنين من “الشغالة ببلاش” وتجرع الإهانات. حكيت لبابا كل حاجة من طقطق لسلامو عليكم. بابا راجل حكيم، طبطب عليا وقال لي: “يا بنتي، اللي يمس شـ . ـرفكِ وكرامتكِ، ملوش عيش معاكي. إنتي رفعتي راسنا بذكائكِ وتصرفكِ القانوني، والآن سيبيلنا إحنا التصرف.”
قعدت في بيت أهلي أسبوعين كاملين. أسبوعين أحمد ميبطلش رن، ويبعت رسايل اعتذار وتوسل، ويجيب ناس واسطة، وأنا مبرددش. تليفوني مقفول في وشه تماماً.
في الأسبوع الثالث، جيه أحمد ومعاه عمامو الكبار، ودخلوا بيت بابا.
كنت قاعدة ولابسة لبس شيك جداً، راجعة “نور” بتاعة زمان، الرفيعة، المثقفة، اللي بتشتغـ . ـل في دار نشـ . ـر، مش البنت المجهدة من شغـ . ـل البيت عند حمـ . ـاتها.
أحمد أول ما شافني عينيه لمعت، وحسيت إنه نـ . ـدمان بجد، بس النـ . ـدم مبيصلحش القلوب المكسورة.
عمو الكبير بدأ الكلام: “يا حاج عبد الرحمن، إحنا جايين نصالح بنتنا نور. أحمد غـ . ـلـ . ـطان، وإحنا معترفين، والست الكبيرة غـ . ـلـ . ـطت وحقكم علينا، بس البيوت متتخربش من أول قفشة، والواد ذنـ . ـبه إيه يتربى بعيد عن أبوه؟”
بابا بص لأحمد وقال بصوت رخيم: “يا أحمد، إنت جيت طلبت بنتي من بيتي معززة مكرمة. بنتي خريجة جامعة، وبتشتغـ . ـل، ومن عيلة. إنت خدتها عشان تعملها زوجة وشـ . ـريكة حياة، ولا عشان تشغـ . ـلها عند والدتكِ؟”
أحمد رد بسرعة: “والله يا عمي أنا كنت فاكر إن ده بر بوالدتي، ومكنتش أعرف إن أمي بتضغط عليها كدة.”
بابا كمل: “البر بوالدتكِ من جيبكِ ومن وقتكِ إنت، مش على حساب كرامة وصحة مراتكِ. بنتي مش هترجع البيت ده إلا بشـ . ـروط، ولو مش موافق، المأذون ينهي كل حاجة بالمعروف. ”
أحمد قال بلهفة: “موافق على أي شـ . ـرط يا عمي، بس نور ترجع معايا.”
بابا طلع ورقة وقرأ الشـ . ـروط:
“أولاً: شقة مستقلة تماماً في التجمع، ووالدتكِ متدخلش فيها غير بزيارات عادية زي أي ضيف، ونسخة المفتاح اللي معاها تتغير.
ثانياً: نور ترجع لشغـ . ـلها في دار النشـ . ـر فوراً، وإنت ملتزم تجيب دادة للولد أو توديه حضانة نظيفة على حسابكِ.
ثالثاً: مفيش حاجة اسـ . ـمها نور تروح تخدم في بيت والدتكِ تاني نهائياً. والدتكِ تعـ . ـبانة؟ إنت وأختكِ شيماء اللي سـ . ـرقتها تصرفوا عليها وتجيبوا لها شغالة بفلوسكم.
رابعاً: يتدفع لنور مؤخر صداق جديد، ويتكتب في عقد برقم محترم يضمن كرامتها.”
أحمد بص لعمامو، وعمامو هزوا راسهم بمعنى “وافق، إنت اللي غـ . ـلـ . ـطان”. أحمد مضى ووافق على كل الشـ . ـروط وهو منكسـ . ـر وممنون إن القضية مصلتش للطـ . ـلاق.
قبل ما نمشي، بصيت لأحمد وقلتله:
“أنا رجعت معاكِ عشان ابني، وعشان أديكِ فرصة أخيرة تثبت فيها إنكِ راجل وسند. بس حط في بالكِ يا أحمد… الثقة زي المراية، لو انكسـ . ـرت، ممكن تلزقها، بس هيفضل مكان الشـ . ـرخ باين. وأي حركة تانية تمس كرامتي، مش هتشوف وشي تاني لا في بيت بابا ولا في القسـ . ـم… هتشوفني في محكمة الأسرة.”
أحمد هز رأسه وقال: “حقكِ عليا يا نور، وعهد عليا هعوضكِ عن كل اللي شفتيه.”
رجعت بيتي في التجمع، غيرت قفل الباب في نفس اليوم. نزلت شغـ . ـلي بعد أسبوع، ورجعت لي حيويتي وضحكتي. حمـ . ـاتي وشيماء مقطوعين عننا تماماً، وأحمد بقا بيسافر ويرجع، بس عينه دايماً عليا، خايـ . ـف يغـ . ـلـ . ـط غـ . ـلـ . ـطة واحدة تخسـ . ـره كل حاجة.
علمتني التجربة دي إن السكوت مش دايماً فضيلة، وإنكِ لما تيجي على حقكِ عشان “المركب تمشي”، الناس بتفتكر إنكِ معندكيش مجاديف. الكرامة خط أحمر، واللي يحبكِ بجد، هو اللي يصدقكِ وإنت في قفص الاتهام، مش اللي يستنى الكاميرات عشان تبرأكِ.