جوازتى من بنت عمي حكايات زهرة
الخناقات بيننا يومية لحد ما انفصلنا. الفلوس اللي كانت معايا خلصت، والشغل في القاهرة نام.
رجعت للبلد تاني، بس المرة دي مكسور بجد.. محتاج شغل ومحتاج قرش. وبقيت أروح الشركة اللي بتديرها منار، أقف أستنى إذن منها عشان أدخل أطلب نسبي في المحصول أو الفلوس!
كل ما أبص في عينها، أفتكر كلمتها افتكر اليوم ده كويس.
عرفت إن ربنا مابينساش، وإن الظلم ظلمات.. أنا هربت من سجن أبويا، بس دخلت بسجني الخاص اللي بنيته بإيدي.. سجن الندم اللي هياكل في عمري لحد آخر يوم في حياتي.
مراتي بصتلي بذهول، أيديها سابت أيدي ببطء شديد وكأنها مسكت جمرة ڼار، وعينيها اتسعت من الصدمة أنت عملت كده يا شريف؟! اتبليت على شرف بنت عمك عشان تهرب وتعيش حياتك؟!
كنت واقف في نص الصالة زي الصنم، لساني مربوط، مش عارف أنطق ولا أدافع عن نفسي بنص كلمة. التقرير الطب الشرعي اللي عمي اتكلم عنه كان بمثابة حبل الغسيل اللي اتنشرت عليه كل قذارتي ونذالتي قدام الكل. أبويا بصلنا ونفخ بقلة حيلة وهو بيهز رأسه، وقال بصوت مليان خيبة أمل اللي حصل حصل من ٥ سنين يا هدى.. ومنار ربنا نصرها وأخدت حقها بالقانون وبالعقل، وأنا سلمتها كل الشغل لأنها أثبتت أنها أرجل من ١٠ زي شريف.
الكلمة نزلت على دماغي زي المطرقة. منار مكانتش محتاجة تصرخ ولا تتخانق، نظرتها الصامتة وهي بتسحب مفاتيح عربيتها الأحدث موديل من على الطاولة كانت كفيلة إنها تدهس كرامتي في التراب. طلعت من البيت بكل هيبة، وسابتنا في آتون الخناقة اللي ولعت بيني وبين مراتي.
مراتي سابتني في نفس اليوم، لمّت هدومها ورجعت بيت أهلها في القاهرة وهي بتقولي بوضوح اللي يبيع أهله ويفتري على شرف أخته عشان مصلحته، يبيع أي حد في أي لحظة.. أنا مآمنش على نفسي مع راجل زيك. وبعد شهرين من القضايا والمحاكم، أخدت مؤخرها ونفقتها وطلبت الطلاق، وحسيت إن كل البرج العالي اللي بنيته في القاهرة إنهار فوق دماغي في لحظة.
حاولت أهرب لشغلي في القاهرة، بس عقلي مكانش معايا. الخسائر بدأت تزيد، والديون كثرت عليا، وفي خلال سنة واحدة بس لقيت نفسي مفلس تماماً، وشقتي اللي كنت فاخر بيها ارهنت للبنك. ملقيتش قدامي غير باب واحد بس.. باب البلد اللي هربت منه زمان وأنا فاكر إني بطل.
رجعت البلد بس المرة دي مش راكب عربية شيك ولا معايا زوجة قاهرية أتباهى بيها، رجعت بشنطة هدومي القديمة وكسرة في نفسي مابتتمحيش. البيت الكبير اللي كنت شايفه سجن، بقى هو المأوى الأخير ليا.
بس الصدمة الحقيقية كانت لما نزلت الشركة عشان أطلب من أبويا حصتي في أرباح الأرض والمحصول. دخلت المبنى الفخم اللي أنشأته منار في مركز المدينة، واستنيت في مكتب الانتظار زي أي
موظف أو عميل صغير. الموظف بصلي وطلب مني أستنى لما الدكتورة منار تفضى.
قعدت ساعتين كاملين على الكرسي، أدوق طعم الذل والانتظار اللي ذقتهولها زمان. ولما أذنتلي أدخل، دخلت المكتب.. كانت قاعدة ورا مكتب خشبي عريض، حواليها أوراق ومخططات هندسية، وراها شهادات تقدير ودروع تكريم من المحافظ.
رفعت عينها عن الأوراق وبصلتي ببرود، وبصوت هادي خال من أي تشفي قالت خير يا شريف؟ أظن المحاسب سلمك مصاريفك الشهرية اللي عمي حددها لك.
قلت بحشرجة وصوت واطي مش طالع أنا مهندس يا منار.. محتاج أشتغل هنا، محتاج أرجع أقف على رجلي.. أنا خسړت كل حاجة في القاهرة.
سكتت لحظات، وابتسمت ابتسامة خفيفة أشد قسۏة من أي شتيمة، وقالت الشغل هنا للناس اللي پتخاف على اسم الشركة وشرف العمل.. أنت جربت قبل كده تهدم كل حاجة في لحظة عشان هوى نفسك. لو عايز تشتغل، في وظيفة مهندس موقع تحت التمرين في مشروع الصحرا الغربية.. المواعيد من ٧ الصبح، والمرتب على قد المجهود.. تناسبك؟
وافقت وأنا باصص في الأرض.. قبلت الوظيفة الصغيرة تحت إدارتها وإشرافها، وبقت هي اللي بتوقع على خصوماتي وتراجع تقاريري الهندسية.
كل يوم الصبح وأنا واقف في الشمس والتراب في الموقع، .. بفتكر دموعها ونشيجها اللي كان يقطع القلب، ونظرتها وهي بتقولي افتكر اليوم ده كويس. عرفت وقتها إن ربنا ما بيسيبش حق حد، وإن العدالة الإلهية ممكن تتأخر بس لما بتيجي، بتيجي حاسمة وموجعة. أنا ما خسرتش بس حريتي اللي كنت بحلم بيها، أنا خسړت نفسي وكرامتي، وبقيت عايش خدام في المملكة اللي بنتها الإنسانة اللي حاولت أتدوس عليها زمان.