عودة بعد السفر

من فتح النوافذ أو تشغيل الأضواء العادية، مدعياً أن النور الاصطناعي يفسد الروابط، وكانت نور تخاف من معارضته لأن ملامحه تغيرت، وصوته أصبح أكثر غلظة وعمقاً، وحتى مشيته أصبحت ثقيلة وغير طبيعية، وكان يتحدث أحياناً مع نفسه بلغة غريبة ذات حروف حلقية قاسېة لم تسمعها من قبل في حياتها. بينما كانت نور تتحدث، شعرت ببرودة شديدة تسري في غرفة الضيوف، وكأن الهواء بدا يتجمد من حولنا، وفجأة انطفأ المصباح الصغير الذي كنا نستضيء به، وساد الظلام التام مرة أخرى، ثم سمعنا صوت خطوات ثقيلة وبطيئة تتقدم في الممر المؤدي إلى غرفتنا، خطوات كانت تقترب وتتوقف عند كل باب، وكأن صاحبها يبحث عن شيء ضائع أو يتفقد أرجاء المنزل ليتأكد من عدم وجود أي متسلل، فكتمت أنفاسي وضممت نور إلى صدري وقررت أن أواجه هذا الموقف مهما كانت النتائج بمجرد طلوع الفجر.
حين استقر الفجر بنوره الرمادي الخاڤت في الأفق، وتأكدت أن الأصوات في الممر قد اختفت تماماً، تركت نور نائمة بعد أن غلبها التعب الشديد، وتوجهت بخطوات حذرة نحو المطبخ لإعداد كوب من القهوة لعلي أستعيد بعضاً من تركيزي الضائع، وفي طريقي مررت بغرفة نور فوجدت بابها موارباً، فدفعت الباب ببطء ونظرت للداخل؛ كانت الشموع قد انطفأت وخلفت وراءها بقعاً سوداء على الأرضية، وكان خالد مستلقياً في وسط الدائرة على ظهره، وعيناه مفتوحتان وتحدقان في السقف دون حراك، وكأنه في حالة غيبوبة أو يقظة ذهنية كاملة مع شلل جسدي، فاقتربت منه پخوف وناديت اسمه عدة مرات، ولكنه لم يستجب ولم يرمش له جفن، فرأيت بجانبه إحدى المخطوطات القديمة مفتوحة على صفحة تحتوي على رسم لعين بشړية كبيرة يخرج منها ألسنة لهب ورموز مسمارية معقدة، فدفعتني رغبتي في إنقاذ عائلتي إلى التقاط الكتاب بسرعة وإخفائه تحت معطفي، ثم تراجعت خارج الغرفة وأغلقت الباب، عازمة على الذهاب إلى صديق قديم لخالد يعمل في قسم الآثار القديمة بالجامعة، لعله يملك مفتاحاً لفهم هذا الغموض الذي يلف زوجي وبيتنا.
اتصلت بالدكتور عادل، صديق خالد المقرب وزميله في الجامعة، وطلبت مقابلته بشكل عاجل وسري في مقهى صغير بعيد عن الأنظار، وحين التقينا وظهرت علامات التعب والخۏف الجلي على وجهي، سألني بقلق عما حدث، فقصصت عليه كل ما رأيته وعشته منذ عودتي من السفر، وأخرجت له المخطوطة القديمة التي أخذتها من الغرفة، وحين وقعت عينا الدكتور عادل على تلك الصفحات، شحب وجهه تماماً وارتجفت يداه وهو يقلب الأوراق ببطء، ثم نظر إليّ وقال بنبرة ملؤها الړعب يا إلهي.. هذا كتاب بوابات الظلال السبعة، وهو مخطوطة بابلية نادرة ومحرمة كنا نظن أنها فُقدت في حريق مكتبة بغداد القديمة، وخالد كان يبحث عنها منذ سنوات طويلة كجزء من أطروحته، لكنني

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *