عودة بعد السفر

موقع أيام نيوز

كاهن في طقس مظلم، وعيناه مائلتان للجمود والتركيز الشديد، وجسده يتحرك بآلية غريبة ټرعب الناظر إليها. تسللت من الغرفة رائحة نفاذة تشبه خليطاً من البخور العتيق والكبريت المحروق، رائحة تخنق الأنفاس وتجعل الرأس يدور، وحين حاول خالد الالتفات فجأة نحو الباب كأنه شعر بوجودي، تراجعت إلى الخلف بسرعة وبخطوات خفيفة تكاد لا تلمس الأرض، مدركة أن مواجهته في هذه الحالة وفي هذا الوقت المتأخر قد تؤدي إلى عواقب لا أستطيع التنبؤ بها، خصوصاً مع وجود ابنتي النائمة في المطبخ والتي يجب أن أحميها أولاً وقبل كل شيء. عدت إلى المطبخ بخطوات متثاقلة، وقلبي يقرع كطبل حرب، وانحنيت فوق نور وهززت كتفها برفق قائلة بصوت هامس يرتجف نور.. حبيبتي، استيقظي، أنا هنا، ففتحت عينيها ببطء، وفي عين الصمت والنعاس، رأيت في نظرتها مزيجاً من الړعب والراحة المفاجئة لرؤيتي، فاحتضنتني بقوة وأخذت تبكي بصمت دون أن تصدر صوتاً، وكأنها تدربت على مدار الأسبوع الماضي ألا ترفع صوتها أبداً خوفاً من شيء ما يتربص بها في أرجاء هذا البيت الذي تحول فجأة إلى مكان غريب ومرعب.
حملت نور مخدتها وبطانيتها وقادتها بهدوء شديد نحو غرفة الضيوف البعيدة نسبياً عن غرفة نومها، وأغلقت الباب خلفنا بإحكام، ثم جلست بجانبها على السرير، ووضعت يدي على كتفها لأهدئ من روعها، وسألتها بنبرة حاولت أن تكون حانية وثابتة قدر الإمكان نور، أخبريني يا ابنتي، ماذا يحدث هنا؟ لماذا تنامين في المطبخ؟ وما الذي يفعله والدك في غرفتك؟، فمسحت دموعها بأكمام بيجامتها ونظرت إليّ بعينين واسعتين تعبران عن صدمة بالغة وقالت بصوت متهدج أمي، بدأ الأمر في الليلة الثالثة بعد سفرك؛ عاد أبي من جامعته ومعه صندوق خشبي قديم جداً مليء بالكتب والأوراق الصفراء، وكان يبدو عليه حماس غير طبيعي، ودخل غرفتي بحجة أنه يبحث عن مساحة هادئة بعيدة عن ضوضاء الشارع، لكنه بدأ يطلب مني النوم في الصالة، ثم تطور الأمر ليطلب مني البقاء في المطبخ لأنه قال إن غرفتي هي المركز.. مركز شيء يسميه الانعكاس البابلي، ولم أفهم ما يقصده، لكنه كان ينظر إليّ بنظرات غريبة ويقول إنني يجب أن أظل قريبة من الأرض حتى لا تؤذيني الأرواح التي يستدعيها. نزلت كلماتها عليّ كالصاعقة، فكيف لزوجي أن يعرض حياة ابنته للخطړ ويجبرها على النوم في المطبخ من أجل أوهام وأبحاث غامضة، وشعرت بمزيج من الڠضب العارم والخۏف الشديد على عائلتي.
استمرت نور في سرد تفاصيل الأسبوع المرعب الذي عاشته في غيابي، موضحة أن والدها توقف عن الذهاب إلى العمل تماماً بعد اليوم الرابع، وكان يقضي الليل كله في غرفتها يتحرك ويتمتم بكلام غير مفهوم، بينما يقضي النهار نائماً أو مستغرقاً في قراءة تلك المخطوطات القديمة، وأنه كان يمنعها

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *