زواج من أجل المال

موقع أيام نيوز

على هوامش الأوراق الفولسكاب؛ طيور تحلق فوق جدران عالية، تفاصيل دقيقة لبيوت قديمة بشبابيك مفتوحة تشع منها النور، ووجه امرأة غامض لم أتبين ملامحه في البداية لكنني شعرت أنه يشبهني في لحظات شرودي. بمرور الوقت، وجدت نفسي أنتظر يوم الخامس عشر والثلاثين من كل شهر ليس لأجل الظرف المالي الذي كانت تسلمني إياه السيدة ثريا، بل لأجل تلك الدقائق العشرين التي أرى فيها وجهه وراء الزجاج المخدوش. بدأت التمبثيليات تتساقط عني كأوراق الخريف الشاحبة، وبدأت الحقيقة العاړية تظهر أنا لم أعد مهتمة بالمال، أنا بدأت أرتبط بهذا السجين.
الحلقة الثالثة هوس الغرفة المظلمة
في ليلة شتوية عاصفة، بعد أن نام إياد، جلست في الصالة الصغيرة وأمامي كوب الشاي الدافئ. كان هناك شيء ينهش عقلي. كيف لرجل بهذا النبل، بهذه الرقة في التعامل، وهذا الصفاء النفسي، أن يسرق أموال الأيتام والمرضى من جمعية عائلته؟ تذكرت تفصيلة صغيرة قالها لي في آخر زيارة عندما سألته عن الجمعية، حيث شرد وقال المال الحړام يعمي القلوب يا ريم، بس الأعمى الحقيقي هو اللي بيفتكر إن الچريمة كاملة. لم أفهم قصده وقتها، لكن كلماته دفعتني للنبش. في اليوم التالي، طلبت من محامي العائلة نسخة كاملة من أوراق القضية بحجة أنني أريد فهم الموقف القانوني لعلنا نجد ثغرة للاستئناف. المحامي أعطاني الملف بنظرة ساخرة كأنه يقول لا تتعبي نفسك، التهمة لابسته لابسته.
تحولت غرفتي إلى ما يشبه مكتب تحقيق جنائي. فرشت الأوراق على الأرض، وبدأت أقرأ آلاف الصفحات من التحقيقات، ومحاضر الجلسات، وتقارير خبراء وزارة العدل. سهرت الليالي حتى تخرجت خيوط الفجر الأولى، أقارن بين التواريخ والتوثيقات. وفجأة، بدأت الأمور تتضح لي كمن يرى لوحة زيتية بعد إزالة الغبار عنها. كان هناك تضارب صارخ في التواريخ؛ سليم كان مسافرًا خارج البلاد في التاريخ الذي وُقعت فيه شيكات سحب المبالغ الكبيرة من البنك المعتمد للجمعية. كيف لم يلتفت المحامي لذلك؟ والأغرب، أن هناك توقيعًا واحدًا رئيسيًا كان ينقصه الختم المعتمد لسليم، ورغم ذلك تم تمريره. والأكثر رعبًا، هو الشاهد الأساسي في القضية، محاسب الجمعية المدعو مدحت، الذي أدلى بشهادته التي أدانت سليم بالكامل، ثم اختفى في اليوم التالي تمامًا وسافر إلى دولة أوروبية دون أن يترك أثرًا أو يطالب بمستحقاته نهاية الخدمة. هناك مؤامرة حيكت بذكاء شديد، وسليم تم تقديمه ككش ملك في رقعة شطرنج قڈرة.
الحلقة الرابعة رحلة فوق جمر المحاكم
منذ تلك الليلة، انمحت ريم القديمة؛ ريم المستسلمة لفقرها وخۏفها. تحولت إلى امرأة تقاتل بأسنانها وأظافرها في ردهات المحاكم ومكاتب المحامين الكبار. كنت أستيقظ في السادسة صباحًا، أترك إياد عند جارتي، وأذهب لأقف بالساعات أمام مكاتب مستشاري القانون، شايلة ملفات ضخمة كادت تقصم ظهري. كنت أترجاهم، وأبكي أحيانًا، وأعرض عليهم كل ما أملك من المال الذي أدخرته من راتب السيدة ثريا ليعيدوا دراسة القضية. في البداية، كانوا يطردونني أو ينظرون إليّ كزوجة مچنونة ترفض تصديق أن زوجها لص. لكنني لم أستسلم. كنت أذهب إلى نقابة المحامين، وأبحث في السجلات عن أي خيط يوصلني للمحاسب الهارب مدحت.
في إحدى الزيارات، نظرت إلى سليم عبر الزجاج، كانت عيناي محاطتين بالهالات السوداء من قلة النوم، ويداي ملطختين بحبر الأوراق القانونية. نظر إليّ طويلاً، ولم يسألني لم أبدوا هكذا، ولم يسألني عن سبب غيابي عن بعض مواعيد الرسائل. قال لي فقط ريم.. ارحمي نفسك. أنا تعودت على الجدران دي، مش عايز الجدران دي تتنقل لقلبك.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *