مراته ردت علي تليفونه قصة زيزى خالد

رشا قبل الجميع. دخلت بابتسامة متسعة، وقبلت منى بحرارة مفتعلة، وبدأت في مساعدتها في المطبخ.
يا خبر يا منى! المحشي ده ريحته تجنن، أحمد أكيد هيفرح بيه جداً، إنتي عارفة إنه بيعشق أكلك.
منى ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت ده أقل واجب يا رشا.. إنتي أكتر واحدة عارفة أنا بحب أحمد قد إيه، وعايزة أفرحه في عيد ميلاد مامته.
رشا شعرت للحظة ببرودة في نبرة منى، لكنها تجاهلتها، فهي واثقة في غباء منى كما كانت تسميه في أحاديثها مع أحمد.
توافدت العائلة. الضحكات تعلو، والأصوات تتداخل. أحمد كان في قمة نشاطه، يوزع الابتسامات، يمازح الحاضرين، ويظهر للجميع بمظهر الزوج المثالي والمحب. كلما مرت من جانبه، كان يغمز لها أو يضع يده على كتفها بتمثيلية متقنة. رشا كانت تجلس في زاوية الغرفة، تتبادل معه نظرات خفية، ظناً منهما أنهما في أمان خلف قناع الكذب.
جاءت لحظة الغداء. تجمعت العائلة حول السفرة الكبيرة. طنط سعاد كانت في غاية السعادة، تتوسط ابنيها وزوجاتهم. منى كانت تجلس في نهاية الطاولة، صامتة، تراقب المشهد كأنه مسرحية رخيصة.
في منتصف العشاء، وقفت منى. ساد الصمت، ظن الجميع أنها ستلقي كلمة احتفالاً بوالدة زوجها. لكن منى أخرجت من جيب فستانها فلاشة صغيرة، وربطتها بجهاز اللابتوب الخاص بأحمد الذي كان موضوعاً على طاولة جانبية لعرض صور العائلة.
يا جماعة، بمناسبة عيد ميلاد طنط سعاد، جهزت ليكم مفاجأة.. فيديوهات وصور قديمة لأحمد، وبما إني اكتشفت حاجات جديدة في حياتنا مؤخراً، حبيت أشارككم التفاصيل.
أحمد تغير لونه. نهض بسرعة محاولاً إيقافها منى، إيه الهبل ده؟ اقعدي!
لكن منى كانت أسرع. نقرت على زر العرض. ظهرت على الشاشة الكبيرة في الصالة محادثات واتساب الممسوحة، صور الشقق المفروشة التي استأجرها أحمد باسمه وباسم رشا، كشوفات الحسابات البنكية التي تظهر استنزاف أموال شقة العمر، بل وحتى تسجيلات صوتية بصوت أحمد ورشا وهما يسخران من سذاجة منى ومن عقمها الذي اتخذوه مادة للسخرية.
ساد صمت جنائزي في المكان. الصدمة كانت أقوى من أن تتحملها الأعصاب. طنط سعاد سقطت ملعقتها من يدها، ووجهها تحول للون الأبيض الشاحب. رشا، التي كانت تحاول الاختباء خلف كوب الماء، تجمدت في مكانها، بينما تحول أحمد إلى قطعة من الثلج، عاجزاً عن الكلام.
منى لم تكتفِ بذلك. سحبت من حقيبتها ملفاً كبيراً وألقته على الطاولة.
دي تقارير موثقة من محامي، تحويلات بنكية مسروقة، إيجارات شقق مفروشة بالتواريخ والأماكن، ومحاضر إثبات حالة لكل مرة كان فيها أحمد في المستشفى بينما كان يقضي وقته في أحضان ابنة عمي اللي كنت بعتبرها أختي.
نظرت منى في عيني أحمد، وقالت بصوت هادئ وقوي هز أركان البيت
التسعة سنين اللي فاتوا مكنوش جواز، كانوا مسرحية.. وأنا النهاردة أخدت دوري فيها بامتياز، ودلوقتي، الستار بينزل.
لم تنتظر منى
رداً. التفتت إلى العائلة المصډومة، قالت ببرود كل واحد فيكم عرف الحقيقة، وأنا مش محتاجة أسمع أعذار.
غادرت منى البيت، ولم تلتفت للوراء. في الخارج، كانت سيارة الأجرة تنتظرها. أخذت نفساً عميقاً، لأول مرة منذ تسع سنوات، تشعر بالهواء يدخل رئتيها نقياً، خالياً من رائحة الخېانة والكذب.
في تلك الليلة، لم تعد منى إلى تلك الشقة. كانت قد استأجرت شقة صغيرة في حي آخر، وبدأت في رفع قضية خلع ومطالبة باسترداد كل مليم نُهب منها. أحمد ورشا انتهى أمرهما؛ فقد خسر أحمد ثقة أهله واحترامهم، واكتشف أن رشا لم تكن تحبه، بل كانت تستغله لابتزازه، وما إن انكشفت ألاعيبهما حتى بدأ كل منهما في إلقاء اللوم على الآخر.
منى بدأت حياتها من جديد. لم تعد تلك المرأة التي تبحث عن الرضا في أعين الناس، بل أصبحت امرأة تعرف قيمتها جيداً، امرأة قررت أن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، هي الطريق الوحيد للحرية.
النهاية.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *