بابا التانى حكايات زهرة

الضعيف اللي جاي من الشباك بدأ يتغير، والشمس اللي كانت منورة الصالة فوق بدأت تغيب فجأة والضلمة تزيد.
أنا بدأت أشوف ملامحي في المراية القديمة المكسورة اللي كانت متعلقة على حيطة البدروم… وشي بدأ يتغير… الملامح بدأت تسيح وتتحول لشيء مبهم، ملوش ملامح واضحة، مجرد خيال أسود بياخد شكل طارق!
​أنا مكنتش طارق اللي رجع من السفر… أنا كنت “الشيء” اللي رجع مكان طارق!
الحادثة حصلت فعلاً، وطارق الحقيقي هرب وجري على بيته وهو مصدوم ومصاب ومحبوس في رعب البدروم مش فاهم حاجة… وأنا… أنا الكيان اللي اتغدّى على ذكرياته وخوفه، ولبس شكله، ورجع لبيته ومراته وبنته عشان يعيش حياته مكانه!
​بنتي “جنا”… الأطفال بيشوفوا اللي الكبار مبيشوفوهوش. البنت لما شافتني فوق، حست بغربتي، ولما شافت أبوها تحت، عرفت إن فيه “بابا التاني”.
​شيرين صرخت صرخة هزت أركان البيت لما شافت شكلي وهو بيتغير في الضلمة، وجريت على الركن واستخبت ورا طارق الحقيقي وهي بتموت من الرعب.
​أنا وقفت في نص البدروم، باصص لإيديا اللي بقت عبارة عن خيالات سودا بتتحرك زي الدخان. كنت حاسس بذكريات طارق جوة دماغي: حبّه لشيرين،

فرحته بجنا، تعبه في الشغل… كل حاجة كانت جوايا وكأنها بتاعتي، أنا حبيت العيلة دي في الكام ساعة اللي قعدتهم معاهم فوق! كنت عايز أفضل “طارق”!
​بصيت لطارق الحقيقي اللي كان حاضن مراته وبيتنفض من الخوف، وبصيت لشيرين اللي كانت بتبصلي وكأني شيطان رجيم.
حسيت بحزن غريب وعميق… أنا مش مكاني هنا. الحياة دي مش بتاعتي.
​رجعت لورا بضهري، وبدأت أطلع سلم البدروم خطوة خطوة وأنا باصص ليهم في الضلمة. طلعت الصالة فوق، لقيت “جنا” قاعدة على الكرسي، ماسكة الدبدوب “سمسم” وبتبصلي بعيونها الواسعة البريئة.
​قربت منها، ملامحي الدخان عادت تتشكل تاني عشان تبان زي وش باباها لأخر مرة. نزلت لمستواها وبست راسها، وقلت لها بصوت دافي:
“جوجو… بابا التاني هيقعد معاكم علطول… متخافيش.”
​البنت ابتسمت وقالتلي: “وأنت يا بابا؟”
قلت لها وأنا بختفي بالتدريج وبتحول لدخان بيطير في هوا الشقة: “أنا كنت مجرد ضيف… وماشي.”
​فتحت باب الشقة وخرجت، ومع خطوتي برة العتبة، اختفيت تماماً وكأني مكنتش موجود. ونزل طارق الحقيقي من البدروم لحضن مراته وبنته، عشان يبدأوا يلموا شتات نفسهم بعد أسبوع من الرعب… أسبوع

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *