بقالى 6 سنين بدفع فاتورة الميه بتاعة جارتي العجوز في السر، وكانت الفاتورة غالبًا 900 جنيه، وكنت متأكدة إنها عمرها ما عرفت. لكن الصبح اللي بعد جنازتها، ابنها ظهر على باب بيتي ومعاه محامي، واتهمني إني استغليت ست عجوز وضعيفة، وطلب يعرف أنا كنت مستنية إيه مقابل اللي عملته. وبعدها قال إن أمه غيّرت وصيتها قبل ما تموت. ساعتها دخلت بهدوء وجبت الظرف المقفول اللي كانت الحاجة فاطمة وصتني عمري ما أفتحه. المحامي قرأ أول صفحة مرتين وبعدين رفع عينيه لابنها وسأله سؤالًا واحدًا خلّى الغضب يختفي من وشه تمامًا. الجزء الأول بقالى ست سنين وأنا بدفع فاتورة الميه بتاعة البيت اللي جنبنا في السر. كنت فاكرة إن الحاجة فاطمة، جارتي اللي عدّت التمانين، عمرها ما عرفت. اسمها الحقيقي كان فاطمة عبد الرحيم، وكانت عندها 84 سنة لما ماتت. كانت ساكنة في البيت اللي جنب بيتي من سنة 1972. بيت قديم مبني بالطوب الأحمر، بلكونته الصغيرة وسور واطي، وكانت فيه شجرة ياسمين كبيرة اتزرعت من أيام جوزها. بعد ما جوزها مات سنة 2009، البيت بدأ يهدى واحدة واحدة. الورد اللي كانت بتحبه كبر من غير تقليم. درجات السلم بدأت تتآكل. وحتى اللمبة اللي فوق باب البيت بطلت تنور. لكن الحاجة فاطمة كانت مصممة تعيش لوحدها. كانت ست قوية، عنيدة شوية، ومش بتحب حد يحسسها إنها محتاجة لحد. في ربيع سنة 2020، وأنا راجعة من مشوار، لقيت ورقة محطوطة على باب بيتها. كانت إنذار بقطع الميه بسبب فاتورة متأخرة. بصيت للبيت. ولقيت الحاجة فاطمة قاعدة جوه الصالة. ما حبيتش أقول لها. لأني عارفة إنها لو عرفت، هتقول أنا هدفعها. حتى لو كانت مش معاها الفلوس. شلت الورقة من على الباب. دخلت بيتي. واتصلت بشركة الميه، ودفعت المتأخرات من خدمة الدفع الإلكتروني. كانت الفاتورة وقتها حوالي 900 جنيه. ومن يومها بقيت أدفعها كل شهر. 900 جنيه. وأحيانًا أكتر أو أقل حسب الاستهلاك. من غير ما أقول لها. كنت عارفة إن لو عرضت عليها الفلوس بشكل مباشر، هترفض. ولو قلت لها إني بدفع الفاتورة، كانت هتحس بالإحراج كل مرة نتقابل فيها قدام صندوق البريد. هي كانت فقدت جوزها. وفقدت معظم أصحابها. وبعد ما بقت تخاف تسوق بالليل، بدأت تعتمد على المشي أو التاكسي. ما كنتش شايفة إن من حقّي آخد منها كمان إحساسها بكرامتها. كنت بقول لنفسي أنا بدفع فاتورة ميه، مش بشتري فضل عندها. ومرت السنين. وفي يوم، توفت الحاجة فاطمة. حضرت جنازتها. وقفت بعيد وأنا ببص لابنها طارق. كان جاي من القاهرة، ووشه باين عليه الحزن، لكني ما كنتش شوفته كتير قبل كده. بعد الجنازة، رجعت بيتي. وكنت فاكرة إن الحكاية انتهت. لكن الصبح اللي بعده خبط حد على بابي. فتحت. لقيت طارق واقف. وجنبه راجل لابس بدلة وماسك ملف. قال مدام نادية؟ قلت أيوه. الراجل مد إيده. أنا الأستاذ سامح بدوي، محامي العيلة. ممكن ندخل نتكلم؟ بصيت له. وبعدين لطارق. وقلت اتفضلوا على الباب. دخل طارق في الموضوع من غير مقدمات. طلع ورقة قديمة. لقيت دي في مكتب أمي. بصيت للورقة. كانت فاتورة ميه. وفي أعلاها اسمي مكتوب بخط إيد الحاجة فاطمة. وتحت اسمي كانت كاتبة نادية هي اللي بتدفع الفاتورة من سنة 2020. وهتنكر إنها عملت حاجة خاصة. ما تحرجهاش بالكلام. حسيت بقلبي ينقبض. كنت فاكرة إن سري محدش يعرفه. طارق قال أمي كانت عارفة كل حاجة. ما عرفت أقول إيه. لكنه كمل بنبرة اتهام وبعد ما عرفت، غيّرت وصيتها. رفعت عيني له. غيرت وصيتها؟ ضحك بسخرية. أيوه. المحامي فتح الملف. قبل وفاتها بثلاث أيام، المحامي اللي كان بيتابع شؤون والدتك بعت لك نسخة من الوصية الجديدة؟ طارق قال أيوه. وبص لي مباشرة. وأعتقد إنك عارفة هي كتبت إيه. قلت والله ما أعرف. ابتسم ابتسامة باردة. بلاش تمثلي. المحامي تدخل إحنا مش بنتهمك بحاجة. لكن بما إن فيه مساعدات مالية منتظمة حصلت لصالح السيدة فاطمة، فلازم نتأكد إن ما كانش فيه تأثير غير مناسب عليها. بصيت له باستغراب. مساعدات مالية؟ طارق رد إنتِ دفعتي فواتيرها ست سنين. عشان الميه ما تتقطعش عنها. وليه؟ لأنها كانت جارتي. طارق قرب خطوة. وإنتِ كنتِ مستنية إيه في المقابل؟ بصيت له. ولا حاجة. ولا البيت؟ سكت. ولا الفلوس؟ ولا حاجة. أمال عملتي كده ليه؟ قلت عشان ما كانش ينفع أسيب ست عندها 84 سنة من غير ميه. طارق قال بغضب أمي كانت ضعيفة وسهل التأثير عليها. الكلمة دي استفزتني. قلت له أمك كانت كبيرة في السن، آه. لكن عمرها ما كانت ضعيفة. المحامي بص لي وقال طيب، عندك أي دليل إن السيدة فاطمة كانت واعية تمامًا لقراراتها المالية؟ فضلت ساكتة ثواني. وبعدين قلت عندي حاجة. دخلت البيت. فتحت درج قديم في دولابي. وطلعت ظرف بني مقفول بالشمع. الحاجة فاطمة كانت ادتهولي قبل وفاتها بحوالي شهر. وقالت لي نادية، خلي الظرف ده عندك. وما تفتحيهوش مهما حصل. وقتها سألتها طب لو حصل لك حاجة؟ قالت ساعتها هتعرفي تسلميه لمين. ما سألتهاش أكتر. رجعت للصالون وحطيت الظرف قدام المحامي. طارق بص له باستغراب. إيه ده؟ قلت الحاجة فاطمة ادتهولي. المحامي أخده. فك الشمع. طلع أول ورقة. بدأ يقرأ. قرأ السطر الأول. وبعدين رجع قرأه تاني. وشه اتغير. طارق قال في إيه؟ المحامي ما ردش. كمل القراءة. وبعدين رفع عينيه ببطء ناحية طارق. وقال طارق والدتك كانت موثقة كل حاجة. طارق اتوتر. موثقة إيه؟ المحامي قلب الورقة. الفلوس اللي خرجت من حسابها خلال آخر أربع سنين. طارق ابتلع ريقه. وإيه علاقتها بنادية؟ المحامي بص له في عينه وقال نادية ما أخدتش من والدتك جنيه واحد. سكت لحظة. وبعدين أضاف لكن فيه شخص تاني أخذ منها مبلغًا كبيرًا جدًا ووالدتك كانت محتفظة بكل الأدلة. طارق وشه اتغير. مين؟ المحامي ما ردش. قلب الصفحة التالية. وكان أول اسم ظاهر عليها اسم طارق نفسه. والأسوأ من كده إن الحاجة فاطمة كانت كاتبة بخط إيدها جملة قصيرة تحت الاسم ابني كذب عليّ، وسرق فلوسي، ولما عرف إني اكتشفت الحقيقة حاول يثبت إني بقيت غير قادرة على اتخاذ قراراتي. طارق اتجمد مكانه. أما أنا فبدأت أفهم ليه الحاجة فاطمة أصرت إني ما أفتحش الظرف إلا بعد وفاتها. لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها إن الورقة الأخيرة في الظرف كانت هتفسر ليه الحاجة فاطمة كتبت اسمي أنا تحديدًا في وصيتها الجديدة. وليه اختارتني أنا، رغم إننا مجرد جارتين. فماذا تركت لي الحاجة فاطمة؟ ولماذا كان ابنها يحاول اتهامي بالتحديد قبل أن يعرف ما في الظرف؟ المحامي فضل ماسك الورقة وساكت. طارق مد إيده يحاول ياخدها منه، لكن المحامي رجّع الملف بسرعة. وقال استنى. طارق بص له بعصبية استنى إيه؟ دي أمي! وأنا ابنها! المحامي رد بهدوء وعشان أنت ابنها، لازم تسمع الكلام ده للآخر. أنا كنت واقفة جنب الكرسي، مش عارفة أعمل إيه. كل اللي كان بيدور في دماغي سؤال واحد إيه اللي كانت الحاجة فاطمة مخبياه عن ابنها؟ المحامي رجع لأول صفحة وقال والدتك بدأت تكتب ملاحظاتها دي من أربع سنين. طارق قاطعه أربع سنين؟! أيوه. يعني كانت بتشك فيا من زمان؟ المحامي بص له نظرة طويلة. مش مجرد شك. سكت طارق. المحامي كمل والدتك كانت بتسجل كل مرة كنت بتطلب منها فيها فلوس، وكل مرة كنت تقول لها إنك هتسدّد، وكل مرة كانت الفلوس بتختفي من حسابها من غير تفسير. طارق ضرب بإيده على الترابيزة. ده كلام مكتوب من ست كبيرة كانت بتنسى! وقتها المحامي فتح صفحة تانية. عشان كده طلبت من البنك كشوف الحساب. حط الورقة قدام طارق. التواريخ هنا مطابقة تمامًا للملاحظات اللي كتبتها بنفسها. طارق سكت. لكن فجأة رفع عينه وقال حتى لو أنا أخدت فلوس إيه علاقة نادية؟ المحامي بص لي. وبعدين قال العلاقة إن والدتك كانت شايفة في نادية الشخص الوحيد اللي ساعدها من غير ما يطلب منها حاجة. حسيت بدموعي نزلت من غير ما أحس. افتكرت كل مرة كنت أحط الفاتورة في الدرج الإلكتروني وأقول لنفسي يا رب ما تعرف. كنت فاكرة إني بحافظ على كرامتها. لكن الظاهر هي كانت عارفة. وعارفة أكتر مما تخيلت. المحامي قلب الصفحة الأخيرة. وقال فيه حاجة تانية. طارق قال إيه؟ والدتك ما غيرتش الوصية قبل وفاتها بثلاث أيام زي ما قلت لنادية. طارق اتوتر. أمال إمتى؟ المحامي رد قبل وفاتها بشهرين. طارق سكت. المحامي بص لي وقال وهي طلبت إن تعديل الوصية يفضل سري لحد بعد دفنها. طارق وقف فجأة. وليه؟ المحامي ما جاوبش. بدل ما يجاوبه، فتح الظرف بالكامل. طلع ورقة صغيرة مطوية بعناية. وفردها على الترابيزة. كان فيها سطر واحد لو طارق حاول يتهم نادية، سلّموها الورقة دي فورًا. أنا حسيت بقشعريرة. طارق قرب من الورقة. هي كانت متوقعة إني هتهمها؟ المحامي قال كانت متوقعة إنك هتعمل أي حاجة عشان تعرف هي كتبت إيه في وصيتها. طارق بص لي. ولأول مرة ما كانش في عينه غضب. كان فيه خوف. مد إيده ناحية الورقة. المحامي منعه. لسه ما خلصناش. طارق قال إيه اللي لسه؟ المحامي طلع ظرف أصغر من داخل الظرف الكبير. وعليه اسم واحد فقط. نادية. اتجمدت مكاني. قلت ده ليا؟ قال أيوه. قالت لك تسلمهولي؟ قالت لي ما أسلمهوش غير لما يحصل اللي حصل النهارده بالضبط. قلبي بدأ يدق بسرعة. فتحت الظرف بإيدي المرتعشة. كان جواه مفتاح صغير. وتحته ورقة. قرأت يا نادية لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى أنا مش موجودة. وعارفة إن طارق جه لك. وعارفة إنه غالبًا اتهمك. بس قبل ما تحكمي عليه روحي بالمفتاح ده للمكان اللي هقولهولك عليه. ومتقوليش لحد. خصوصًا طارق. رفعت عيني للمحامي. قلت المكان فين؟ المحامي قال كمّلي القراءة. نزلت عيني للورقة. وكان آخر سطر فيها المكان ده فيه الحقيقة اللي حاول ابني يخبيها عنك سنين. وفي اللحظة دي سمعنا صوت خبط قوي على باب البيت. كلنا بصينا ناحية الباب. المحامي وقف. طارق قال مين؟ مفيش رد. الخبط اتكرر. ثلاث خبطات متتالية. وبعدين صوت راجل من بره قال مدام نادية افتحي. بصيت للمحامي. هو بص للظرف. وبصوت منخفض جدًا قال ما تفتحيش. لكن الصوت من بره قال جملة واحدة خلت طارق نفسه يتراجع خطوة أنا جاي بخصوص الحاجة فاطمة وعندي دليل يثبت إن اللي في الظرف ده مش الحقيقة كلها فضلنا واقفين مكاننا. الخبط على الباب رجع تاني. المرة دي كان أقوى. طارق قرب من الباب وقال مين حضرتك؟ الصوت رد افتح يا أستاذ طارق أنا عارف إنك جوه. طارق بص لي بسرعة. إنت تعرفه؟ هزيت راسي أول مرة أسمع صوته. المحامي قرب من الباب، لكنه ما فتحش. وقال اذكر اسمك. سكت الرجل ثواني. وبعدين قال اسمي حسن مراد. أول ما قال الاسم، المحامي اتجمد. بصيت له. تعرفه؟ قال بصوت منخفض أيوه. طارق سأله مين ده؟ المحامي ما جاوبش. الرجل من بره قال أنا كنت آخر شخص اتكلم مع الحاجة فاطمة قبل ما تموت. طارق فتح الباب فجأة. المحامي حاول يمنعه، لكن كان فات الأوان. دخل راجل في أواخر الخمسينات، لابس جلابية بسيطة، وماسك شنطة جلد قديمة. بص لي الأول. وبعدين بص لطارق. وقال واضح إنكم فتحتوا الظرف. طارق اندفع ناحيته إنت كنت عارف إن أمي كتبت إيه؟ حسن رد بهدوء كنت عارف جزء. وأمي قالت لك إيه؟ قالت لي إنك هتيجي هنا. طارق اتعصب وكنت مستني إيه؟! حسن بص له بثبات. كنت مستني أشوف هتعمل إيه لما تعرف إن أمك سابت جزء من ميراثها لشخص غريب. طارق سكت. أنا حسيت إني مش فاهمة حاجة. قلت ميراث؟ حسن بص لي. أيوه يا مدام نادية. وبعدين حط الشنطة على الترابيزة. فتحها. طلع ملف كبير. وقال الحاجة فاطمة ما كانتش بتدفع لك فواتير الميه بس. بصيت له باستغراب. يعني إيه؟ ابتسم بحزن. كانت بتراقبك. طارق قال تراقبها ليه؟ حسن رد عشان كانت بتحاول تتأكد إن فيه حد لسه عنده رحمة من غير ما يكون مستني مقابل. الكلام نزل عليّ كأنه صدمة. حسن فتح الملف. كان فيه صور لفواتير. إيصالات. وأوراق بنكية. لكن وسطهم كان فيه شيء غريب جدًا. قصاصة جريدة قديمة. مدها لي. بصيت عليها. كان الخبر من حوالي عشرين سنة. قرأته مرة. وبعدين مرة تانية. اسم الحاجة فاطمة كان موجود. لكن اسم تاني شد انتباهي. اسم والدي. رفعت عيني لحسن. إيه علاقة أبويا بالحاجة فاطمة؟ حسن ما ردش فورًا. طارق كمان بص لي باستغراب. المحامي قرب من القصاصة. وقرأها. وبعدين قال مستحيل. قلت إيه؟ المحامي رفع القصاصة وقال والدك كان شريكًا في قضية قديمة مع زوج الحاجة فاطمة. قلت أنا عمري ما سمعت عن ده. حسن قال لأن الحاجة فاطمة كانت مصممة إنك ما تعرفيش. تعرفني منين أصلًا؟ حسن سكت. وبعدين طلع صورة قديمة جدًا. فيها شاب وامرأة واقفين قدام البيت. الشاب كان والدي. والمرأة كانت الحاجة فاطمة. لكن المفاجأة الحقيقية كانت إن الصورة ما كانتش من عشرين سنة. كانت من سنة 1978. وفي ظهر الصورة كانت فيه جملة مكتوبة بخط الحاجة فاطمة اليوم ده أنقذ أبو نادية حياتي وأنا وعدته إني هرد الجميل لأولاده يومًا ما. اتنفضت إيدي. قلت أبويا أنقذها من إيه؟ حسن بص للمحامي. المحامي قال لازم نعرف الحقيقة قبل ما نكمل. طارق انفجر أنا مش فاهم حاجة! أمي ليه كانت بتخبي كل ده عني؟! حسن رد لأنها كانت عارفة إنك لو عرفت سكت. طارق قرب منه لو عرفت إيه؟ حسن فتح آخر درج في الشنطة. طلع منه مفتاح أكبر من المفتاح اللي معايا. وقال هتحاول توصل للمكان قبل نادية. أنا مسكت المفتاح اللي ادتهولي الحاجة فاطمة. بصيت له. وقلت المكان ده فين؟ حسن قال تحت بيت الحاجة فاطمة. سكتنا كلنا. ثم أضاف وفيه صندوق دفنته الحاجة فاطمة من أكتر من أربعين سنة. طارق شحب. صندوق إيه؟ حسن بص له مباشرة. الصندوق اللي فيه أصل الحقيقة. وفجأة سمعنا صوت زجاج بيتكسر من ناحية بيت الحاجة فاطمة. جرينا كلنا ناحية الشباك. البيت كان ضلمة. لكن باب البيت كان مفتوح. وظهر ظل شخص خارج منه، شايل حاجة صغيرة في إيده. المحامي قال إحنا لازم نروح هناك حالًا. لكن قبل ما نتحرك، موبايلي رن. رقم الحاجة فاطمة. نفس الرقم اللي كان محفوظ عندي من سنين. بصيت للشاشة وأنا مش مصدقة. المكالمة كانت جاية فعلًا من رقمها. والأغرب إن المكالمة ما كانتش مجرد رنة. كان فيه تسجيل صوتي وصلني في نفس اللحظة. فتحت التسجيل. وسمعت صوت الحاجة فاطمة نادية لو سمعتي صوتي بعد موتي، يبقى طارق مش أخطر شخص في الحكاية ثم سكتت ثانيتين. وقالت أوعي تثقي في حسن فضلت ماسكة الموبايل قدام وشي، والتسجيل لسه شغال. صوت الحاجة فاطمة كان واضح جدًا أوعي تثقي في حسن. رفعت عيني للرجل الواقف قدامي. حسن ما اتحركش. لكن ملامحه اتغيرت. قال بهدوء كانت عارفة إني هاجي. قلت عشان كده حذرتني منك؟ هز راسه. لا عشان كانت عارفة إنك هتسمعي التسجيل ده من غير ما تسمعي اللي قبله. المحامي اتدخل إيه معنى كلامك؟ حسن فتح شنطته مرة تانية، وطلع جهاز تسجيل صغير. حطه على الترابيزة. وضغط زر التشغيل. طلع صوت الحاجة فاطمة. لكن المرة دي كان صوتها أضعف. حسن لو حصل لي حاجة، أوعى تسيب نادية تدخل المكان لوحدها. طارق بص له بصدمة. أمي كانت بتكلمك؟ التسجيل كمل لأن اللي مدفون هناك مش مجرد ورق ولو طارق وصل له قبلكم، كل حاجة هتضيع. فجأة التسجيل وقف. قلت يعني إيه كل حاجة هتضيع؟ حسن بص لي وقال لأن والدك ما أنقذش الحاجة فاطمة من حادث عادي. المحامي قال كمل. حسن أخذ نفسًا عميقًا. سنة 1978، كان فيه مشروع كبير بيتبني في المنطقة. الأرض كانت مملوكة لناس كتير، ومن ضمنهم زوج الحاجة فاطمة. طارق قال ووالد نادية؟ كان موظف حسابات في الشركة. بصيت له. وبعدين؟ اكتشف إن فيه تلاعب في ملكيات الأراضي. المحامي سأله وعمل إيه؟ حسن قال جمع المستندات. ثم سكت لحظة. وكان ناوي يسلّمها للجهات المختصة. طارق قال وإيه اللي حصل؟ حسن بص لي. قبل ما يعمل كده، اختفت المستندات. قلت يعني أبويا هو اللي أخدها؟ حسن هز راسه. لأ. أمال مين؟ حسن فتح الملف. طلع صورة قديمة لثلاثة رجال واقفين قدام مبنى الشركة. وأشار لرجل في المنتصف. الراجل ده كان صاحب الشركة. ثم أشار للرجل الثالث. وده كان المحاسب المسؤول عن الملفات. وبعدين حط إصبعه على رجل رابع ظهر في صورة أخرى. وده سكت. قلت مين؟ قال والد طارق. طارق رجع خطوة. أبويا؟ حسن قال أيوه. طارق هز راسه بعنف. مستحيل. أبويا مات من سنين، وكان موظف بسيط. المحامي أخذ الصورة. دقق فيها. ثم قال الصورة أصلية. طارق خطفها من لمحة نيوز إيده. فضل يبص عليها كأنه بيشوفها لأول مرة. أما أنا فبدأت أربط الأحداث. الحاجة فاطمة كانت تعرف والدي. وكانت تعرف والد طارق. وكان فيه سر قديم بينهم. لكن لسه مش فاهمة إيه علاقة فاتورة الميه بكل ده؟ قلت طب ليه أنا؟ حسن رد لأن الحاجة فاطمة ما اختارتكيش بسبب فواتير الميه. أمال؟ اختارتك لأن والدك كان أول شخص وقف جنبها لما الكل سكت. طارق قاطعنا وإيه اللي في الصندوق؟ حسن بص له. لو كنت أعرف، ما كنتش جاي هنا. في اللحظة دي، سمعنا صوت حركة من ناحية البيت القديم. المحامي قال لازم نروح. خرجنا بسرعة. وصلنا لباب بيت الحاجة فاطمة. الباب كان مفتوح فعلًا. دخلنا. كل حاجة كانت مقلوبة. الأدراج مفتوحة. الملفات مرمية على الأرض. والصالة مليانة أوراق. لكن الغريب إن غرفة الحاجة فاطمة كانت مقفولة. حسن وقف قدامها. قال المفتاح اللي معاكي. طلعت المفتاح الصغير. حطيته في القفل. لف مرة. الباب اتفتح. دخلنا. الغرفة كانت شبه فاضية. السرير. الدولاب. وصورة كبيرة للحاجة فاطمة وجوزها. حسن قرب من الصورة. وبص خلفها. هنا. شال الصورة من مكانها. ظهر تجويف صغير في الحائط. جواه علبة معدنية. طارق اندفع ناحيتها. لكن المحامي مسكه من ذراعه. استنى. أنا طلعت العلبة. كانت مقفولة بمفتاح صغير جدًا. بصيت للمفتاح اللي في إيدي. وجربته. فتح. جواها كان فيه دفتر قديم. وثلاث صور. ومفتاح تاني. لكن قبل ما نلمس أي حاجة سمعنا صوت الباب الخارجي بيتقفل. حسن بص ناحية الصالة. وقال إحنا مش لوحدنا. وبعدين سمعنا صوت خطوات بطيئة بتقرب من الغرفة. خطوة وراها خطوة ثم صوت رجل قال من الصالة سيبوا الدفتر مكانه وسكت لحظة. لأنكم لو قريتوا أول صفحة، هتعرفوا مين قتل الحقيقة من أربعين سنة الصوت جه من الصالة تاني سيبوا الدفتر مكانه لأنكم لو قريتوا أول صفحة، هتعرفوا مين قتل الحقيقة من أربعين سنة. أنا بصيت لحسن. هو كان واقف ثابت، لكن عينيه راحت ناحية باب الغرفة. طارق همس أنت تعرف الصوت ده؟ حسن ما ردش. المحامي قرب من الباب وقال مين اللي بره؟ جاء الرد واحد من الناس اللي الحاجة فاطمة كانت بتحاول تحميهم. طارق قال بعصبية اطلع! فجأة سمعنا صوت خطوات بتبعد. حسن فتح الباب بسرعة وخرج. جرينا وراه. لكن الصالة كانت فاضية. الباب الخارجي مفتوح. والشخص اختفى. رجعنا للغرفة. أنا قعدت على طرف السرير، وحطيت الدفتر قدامي. كان قديم جدًا، والغلاف متآكل من الأطراف. فتحته. أول صفحة كانت مكتوبة بخط الحاجة فاطمة. أنا عارفة إن اللي هيقرأ الكلام ده هيدور على اسم الشخص اللي خاننا. قلبت الصفحة. لكن قبل الاسم، لازم تعرفوا إن اللي حصل سنة 1978 ما كانش سرقة فلوس. قلبت الصفحة التالية. وكان مكتوب كان سرقة حياة كاملة. اتنفست ببطء. حسن قال كملي. بصيت له. الحاجة فاطمة حذرتني منك. قال عارف. ومش هقرأ حاجة قبل ما أعرف ليه. سكت. المحامي قال عنده حق. حسن أخد نفس طويل. لأنها كانت خايفة إني أخبي عنك جزء من الحقيقة. قلت وإنت هتخبيه؟ قال لأ. وبعدين أشار للدفتر. عشان كده هي سابت الدليل هنا. بدأت أقرأ. زوجي كان يملك قطعة أرض كبيرة، وكان فيه أشخاص عايزين ياخدوها بأي طريقة. والد نادية اكتشف التلاعب. لكن الشخص اللي كان ماسك الأوراق الأصلية اختفى. وقفت عند الجملة. قلت اختفى؟ حسن هز رأسه. أيوه. قلبت الصفحة. وكانت الصدمة آخر شخص شافه قبل اختفائه كان زوجي. طارق قال يعني أبويا كان له علاقة؟ الحاجة فاطمة كانت كاتبة والد طارق اتهم زوجي زورًا بأنه أخفى الرجل. طارق سكت. قلبت صفحة تانية. لكن الحقيقة كانت أسوأ. في الصفحة التالية، كانت فيه أسماء وتواريخ وحسابات. وفي آخر الصفحة جملة والد نادية لم يكن شاهدًا فقط كان يحمل الدليل. رفعت عيني. الدليل كان مع أبويا؟ حسن قال أيوه. قلت فين؟ حسن بص للمفتاح اللي في إيدي. غالبًا المكان اللي المفتاح ده بيفتحه. نظرت للمفتاح. وفجأة افتكرت كلام الحاجة فاطمة المكان اللي هقولهولك عليه. قلبت آخر صفحات الدفتر بسرعة. وفي منتصف صفحة، لقيت رسمة بسيطة لبيت قديم. وتحتها عنوان. اتجمدت. العنوان كان عنوان بيتنا أنا. قلت بصوت مرتعش إزاي؟ المحامي قرب مني. إيه اللي حصل؟ مديت له الدفتر. قرأ العنوان. وبص لي. نادية ده معناه إن الصندوق مش في بيت الحاجة فاطمة. حسن قال بالضبط. طارق قال أمال فين؟ حسن بص لي. الصندوق موجود من أربعين سنة جوه بيتكم. وقبل ما أستوعب كلامه، سمعنا صوت ارتطام قوي من الدور الأرضي. جرينا على السلم. ولما وصلنا للصالة لقيت باب بيتنا مفتوح. والأدراج كلها مقلوبة. لكن الحاجة الوحيدة اللي اختفت كانت صورة قديمة لوالدي. وفي مكانها، كانت فيه ورقة جديدة. مكتوب عليها لو عايزة تعرفي أبوكي خبّى إيه دوري تحت البلاطة اللي جنب سريره. نظرت للمحامي. ثم لحسن. لكن طارق سبقنا جميعًا وصاح استنوا! كان واقف قدام باب غرفة والدي. وبيشاور على الأرض. كانت هناك بلاطة مرفوعة بالفعل وتحتها ظهر طرف صندوق حديدي صغير. لكن قبل ما نلمسه سمعنا صوت مفتاح بيتحرك في باب الشقة من الخارج. حد كان داخل علينا. والصوت اللي سمعناه بعدها كان صوت امرأة نادية؟! صوت أعرفه جيدًا. صوت واحدة من أقرب الناس ليا. لكنها كانت آخر شخص أتوقع أشوفه في اللحظة دي اتجمدت مكاني أول ما سمعت صوتها. نادية؟! كانت أختي الصغرى، منى. لكن وجودها في الوقت ده كان مستحيل. منى كانت ساكنة في محافظة تانية، وعمرها ما كانت بتدخل بيتنا القديم من غير ما تتصل بيا الأول. قالت منى وهي داخلة إيه اللي حصل هنا؟ ليه البيت مقلوب كده؟ ما رديتش. فضلت أبص لها. حسن كان واقف بعيد، بيراقبها من غير ما يتكلم. طارق قال إنتِ عرفتي منين إننا هنا؟ منى بصت له باستغراب. أنا جاية لنادية. قلت بسرعة مين قالك إني هنا؟ سكتت. ثانيتين بس لكن الثانيتين دول كانوا كفاية. قلت منى؟ قالت الحاجة فاطمة. حسيت إن قلبي وقع. الحاجة فاطمة قالت لك إيه؟ منى بصت للأرض. قبل ما تموت بيومين، جت لي. حسن قرب منها فورًا. وقالت لك إيه؟ منى رفعت عيني له. قالتلي لو حصل لها حاجة، ما أسيبش نادية لوحدها. طارق قال ليه؟ منى ردت لأنها كانت خايفة على نادية منك. طارق اتعصب مني أنا؟! منى تجاهلته، وبصت لي. وقالتلي كمان إن أبوكي كان سايب حاجة في البيت ده. قربت منها. إنتِ كنتِ عارفة؟ قالت مش كل حاجة. أمال كنتِ عارفة إيه؟ منى بلعت ريقها. كنت عارفة إن بابا قبل ما يموت بأيام، قال للحاجة فاطمة جملة غريبة. قال إيه؟ منى قالت لو حد سأل عن الصندوق قولي له إنه ما خرجش من البيت. سكتنا كلنا. نظرت ناحية البلاطة. الصندوق كان لسه مكانه. المحامي قال لازم نفتحه. حسن اعترض مش هنا. قلت ليه؟ قال لأن الشخص اللي قلب البيت كان بيدور عليه. طارق قال يعني إيه؟ حسن بص ناحية الباب. يعني إنه عارف إن الصندوق موجود. وفجأة جاء صوت طرق خفيف على باب الشقة. المرة دي ما كانش خبطًا عنيفًا. كان ثلاث طرقات هادئة. منى قربت مني. مين؟ ما حدش رد. ثم انزلق ظرف أبيض من تحت الباب. طارق التقطه. على الظرف كان مكتوب بخط واضح لنادية فقط. مدهولي. فتحته. كان جواه مفتاح صغير جدًا وصورة لوالدي واقف قدام بيتنا. وفي ظهر الصورة جملة الصندوق مش هو السر. تحتها مباشرة السر هو اللي جوه الصندوق. وبعدين سطر أخير ولو فتحتيه، ما تثقيش في أي شخص موجود معاك. رفعت عيني. أربعة أشخاص كانوا واقفين قدامي. طارق. حسن. المحامي. ومنى. وفجأة سمعنا صوت ارتطام من غرفة والدي. جرينا كلنا. الصندوق الحديدي كان مفتوحًا. لكن محدش لمس القفل. والصندوق كان فاضي تقريبًا. إلا من ورقة واحدة. رفعتها. وكان مكتوب عليها اللي سرق المستندات سنة 1978 مش هو اللي خدها من بيت فاطمة. قلبت الورقة. وفي ظهرها كان فيه اسم واحد فقط. اسم الشخص اللي كان واقف معانا في الغرفة. اتسعت عيني. وقلت مين فيكم كان هنا قبل ما نوصل؟اتجمدت مكاني وأنا ماسكة الورقة. مين فيكم كان هنا قبل ما نوصل؟ ولا واحد رد. بصيت في وشوشهم واحد واحد. طارق كان مصدوم. منى حاطة إيدها على بقها. المحامي سامح واقف مش قادر ينطق. أما حسن فكان ساكت تمامًا. لكن عينيه راحت مباشرة ناحية الورقة اللي في إيدي. قلت له إنت عارف الاسم. قال بهدوء أيوه. مين؟ قبل ما يرد، طارق خطف الورقة من إيدي. قرأ الاسم. وفجأة وشه اتغير. قال بصوت واطي مستحيل قربت منه. إيه الاسم يا طارق؟ رفع عينه لي. الاسم ده اسم أبويا. سكتنا كلنا. قلت أبوك كان عارف بالحكاية دي؟ طارق هز راسه بسرعة. لأ أبويا مات من سنين. والحاجة فاطمة كانت بتكرهه. حسن قال مش بالضبط. طارق بص له بعصبية إنت تعرف أبويا؟ حسن فتح شنطته الجلد وطلع صورة قديمة. حطها قدامنا. كانت صورة لأربعة رجال واقفين قدام مبنى قديم. والدي كان واحد منهم. والرجل اللي واقف جنبه كان والد طارق. لكن الغريب إن في شخص خامس ظاهر في خلفية الصورة. شخص كان وشه مش واضح. قلت مين ده؟ حسن رد ده الشخص اللي اختفى سنة 1978. المحامي سامح قرب من الصورة. وفجأة قال استنى وبص على ظهرها. كان فيه تاريخ مكتوب. 17 نوفمبر 1978. وتحته جملة قصيرة الاجتماع الأخير قبل نقل الملكية. طارق قال نقل ملكية إيه؟ حسن بص له. البيت. بيت مين؟ حسن ما ردش. بدلًا من كده، أشار للصندوق الحديدي الفاضي. افتحوا الغطاء من تحت. قلبنا الصندوق. ولأول مرة لاحظنا إن قاعه مش قطعة حديد واحدة. كان فيه جزء متحرك. المحامي استخدم المفتاح الصغير اللي كان في الظرف. سمعنا صوت طقة. واتفتح القاع. جواه فلاشة صغيرة جدًا ومظروف قديم عليه اسم واحد نادية عبد الرحيم. اسمي. بس أنا عمري ما شفت المظروف ده. فتحته بإيد مرتعشة. وكان جواه عقد ملكية قديم. قرأ المحامي أول سطر وبعدين سكت. قلت في إيه؟ رفع عينه وقال نادية البيت اللي إحنا واقفين فيه ده مش بتاع والدك. حسيت إن الأرض اتحركت من تحتي. أمال بتاع مين؟ المحامي قلب الورقة. وفي أسفل العقد كان فيه توقيع. توقيع الحاجة فاطمة. لكن التاريخ كان قبل ميلادي بسنين. ثم قال فاطمة كانت مالكة البيت ده ووالدك كان مجرد أمين عليه. بصيت لمنى. منى كانت بتبكي. قلت لها إنتِ كنتِ عارفة؟ هزت راسها بالنفي. لكن حسن فجأة قال هي مش عارفة الحقيقة كلها. منى بصت له بخوف. حسن قرب منها وقال لأن الحاجة فاطمة ما كانتش بتحمي البيت سكت لحظة. ثم قال كانت بتحميكي إنتِ يا نادية. وقبل ما ألحق أسأله ليه الفلاشة اللي كانت في الصندوق أصدرت صوتًا. كانت متوصلة بجهاز تسجيل صغير مخفي في قاع الصندوق. وفجأة اشتغل صوت الحاجة فاطمة لو التسجيل ده اشتغل يبقى نادية وصلت للصندوق. ثم سكتت ثواني. وبصوت متعب قالت يا نادية لازم تعرفي الحقيقة اللي أبوكي خبّاها عنك طول عمرك. ثم قالت جملة واحدة خلّتني أبص لأختي منى بصدمة أختك منى مش أختك زي ما إنتِ فاكرة. أختك منى مش أختك زي ما إنتِ فاكرة. الكلمة وقعت عليّا كأنها صدمة. بصيت لمنى. فاطمة كانت تقصد إيه؟ منى كانت واقفة مكانها، وشها شاحب، ودموعها نازلة من غير ما تحس. نادية أنا والله ما كنت أعرف. طارق قال بعصبية التسجيل ممكن يكون متفبرك! حسن رفع إيده يمنعه. اسكت واسمع للآخر. رجع صوت الحاجة فاطمة من التسجيل نادية، منى مش بنت أبوكي لكن ده مش معناه إنها غريبة عنك. شهقت. يعني إيه؟ التسجيل كمل منى اتولدت في نفس السنة اللي أبوكي اختفى فيها. بصيت لمنى. اختفى؟! منى هزت راسها وهي بتبكي. أنا طول عمري اتقال لي إن بابا مات وأنا صغيرة حسن قاطعها والدك ما ماتش في الوقت اللي قالوه لكم. الكل سكت. ثم اشتغل جزء تاني من التسجيل. صوت فاطمة كان أضعف أبو نادية اكتشف إن المستندات اللي معاه مش بس بتثبت سرقة الأرض كانت بتثبت إن في طفل اتبدلت أوراقه في المستشفى. المحامي سامح قرب من الجهاز. طفل؟ قالت فاطمة الطفل ده كان من عيلة غنية جدًا والعيلة دي كانت مستعدة تدفع أي مبلغ علشان يختفي الموضوع. حسيت إني مش قادرة أتنفس. وإيه علاقة منى؟ التسجيل سكت ثواني. ثم قالت فاطمة منى كانت الطفل ده. منى شهقت أنا؟! ثم جاء صوت فاطمة لكن أبوكي ما كانش بيحاول يبيعها ولا يستغلها كان بيحاول يرجعها لأهلها الحقيقيين. وفجأة سمعنا صوت تكسير زجاج من الصالة. جرينا ناحية الصوت. الشباك كان مفتوح. والستارة بتتحرك رغم إن الهوا كان هادي. وعلى الأرض كان فيه حجر صغير ملفوف بورقة. فتحتها. وكان مكتوب كفاية نبش في الماضي يا نادية. وتحتها لأن اللي هتعرفيه عن أمك أخطر من كل اللي عرفتيه عن أبوكي. بصيت لمنى. كانت بتنهار. لكن قبل ما ألحق أتكلم، الموبايل اللي في جيبي رن. رقم مجهول. رديت. ما سمعتش غير نفسًا هاديًا وبعدين صوت راجل قال لو عايزة تعرفي مين أم منى الحقيقية روحي للمقابر قبل المغرب. وسكت لحظة. ثم قال بس روحي لوحدك لأن الشخص اللي قتل الحقيقة من أربعين سنة، لسه عايش. وأغلق الخط قفلت المكالمة وأنا مش قادرة أتكلم. حسن قال مين كان؟ بصيت له. واحد بيقول إنه يعرف أم منى الحقيقية. منى قربت مني وهي بتترعش. نادية ما تروحيش. طارق قال بسرعة محدش هيروح أي مكان قبل ما نفهم اللي بيحصل. لكن حسن كان ساكت. بصيت له إنت عارف حاجة، صح؟ قال بعد لحظة أيوه. كنت عارف إن منى مش أختي؟ ما ردش. صرخت فيه كنت عارف؟! قال كنت شاكك. وشكك ده كان مبني على إيه؟ طلع من شنطته ملف صغير، وفتحه قدامي. كان جواه صورة قديمة لطفلة رضيعة. وتحت الصورة اسم مكتوب بخط اليد مريم. قلت مين مريم؟ حسن بص لمنى. الاسم ده كان أول اسم اتكتب في أوراق منى. منى رجعت خطوة للخلف. مستحيل حسن أخرج ورقة تانية. دي شهادة ميلاد قديمة، اتلغت بعد أسبوعين من استخراجها. المحامي سامح أخذها وبدأ يقرأ. ثم قال الورقة دي أصلية. طارق قال طب ليه اتلغت؟ حسن رد لأن الطفلة اختفت من السجلات. قلت واختفت إزاي؟ حسن رفع عينه لي. بنفس الطريقة اللي اختفى بيها أبوكي. سكت الجميع. وفجأة فهمت معنى كلام فاطمة. كانت بتقول إن أبويا كان بيحاول يرجع منى لأهلها الحقيقيين. يعني طول السنين دي أبويا كان مخبي سر عني. وأمي كانت تعرف. قلت لازم أروح المقابر. منى مسكت إيدي. هاجي معاكي. هزيت راسي. لأ. ثم بصيت لحسن. هتفضل هنا معاها. قال وأنا؟ بصيت لطارق والمحامي. أنتم كمان. خرجت من البيت وحدي. لكن قبل ما أقفل الباب، سمعت صوت منى من ورايا نادية! لفيت. قالت وهي بتبكي لو قابلتي أمي الحقيقية قولي لها إني عمري ما نسيتها، حتى لو أنا أصلًا ما افتكرتش وشها. ما رديتش. نزلت الشارع. ولما وصلت المقابر، كانت الشمس قربت تغيب. لقيت البوابة مفتوحة. دخلت. كان المكان هادي بشكل مخيف. مشيت بين المدافن لحد ما وصلت للعنوان اللي قاله صاحب الرقم. لكن بدل ما ألاقي قبر لقيت مدفن قديم مهجور. وعلى بابه ورقة صغيرة. فتحتها. كان مكتوب القبر ده مش فيه جثة. وتحتها جواه الدليل اللي هيثبت مين كانت أم منى. مديت إيدي ناحية الباب لكن قبل ما ألمس القفل، سمعت صوت راجل ورايا لو فتحتي الباب يا نادية هتعرفي ليه أبوكي ضحّى بحياته علشان يحمي منى. لفيت ببطء. كان واقف قدامي رجل مسن. وأول ما شفت وشه عرفته. كان موجود في الصورة القديمة مع أبويا. الرجل اللي فاطمة قالت إنه اختفى سنة 1978. ابتسم وقال أنا مش مختفي يا بنتي أنا كنت مستخبي. ثم مد لي ظرفًا قديمًا وقال وده جواب من أبوكي ليكي كتبه قبل ما يختفي بيوم واحد مد إيده بالظرف. ما قدرتش أخده في الأول. فضلت أبص للرجل قدامي وأنا بحاول أفتكر الصورة القديمة. إنت كنت في الصورة مع أبويا ابتسم بحزن. أيوه. واسمي يوسف. وفاطمة كانت عارفة إنك عايش؟ هي الوحيدة اللي كانت عارفة. أخدت الظرف بسرعة. كان قديم جدًا، والورق جواه اصفر من السنين. أول ما فتحته، شفت خط أبويا. إيدي بدأت ترتعش. نادية بنتي وقفت عن القراءة. دموعي نزلت من غير ما أحس. كملت لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا ما قدرتش أرجع البيت. بلعت ريقي. ومتسأليش عني قبل ما تعرفي الحقيقة اللي كنت بحاول أحميها. رفعت عيني ليوسف. ليه منى؟ قال كملي. رجعت للرسالة. منى مش بنتي بالدم، لكن هي أمانة في رقبتي. وأمها الحقيقية كانت واحدة من الناس اللي اتظلموا في موضوع الأرض. اتنفست بصعوبة. ثم قرأت السطر اللي بعده أنا أخدتها وأنا فاكر إني بحميها مؤقتًا لكن بعد ما اكتشفت الحقيقة، عرفت إن وجودها معانا هو الطريقة الوحيدة لإنقاذ حياتها. رفعت عيني. يعني مين أمها؟ يوسف قال الاسم موجود في آخر الصفحة. نظرت. وكان الاسم سعاد عبد الرحيم. تجمدت. عبد الرحيم نفس اسم الحاجة فاطمة. قلت سعاد تبقى إيه لفاطمة؟ يوسف رد بنتها. شهقت. فاطمة كان عندها بنت؟! هز راسه. كانت عندها بنت واحدة. واختفت سنة 1978. رجعت للرسالة. وفي آخرها كان أبويا كاتب نادية لو وصلتي للحقيقة، ما تكرهيش أمك. توقفت. أمي؟ ليه أبويا بيقول ما أكرهش أمي؟ قلبت الصفحة. وكان فيه سطر أخير أمك هي اللي سلمت منى لفاطمة في الليلة اللي اختفيت فيها لأنها كانت بتحاول تنقذها من نفس الشخص اللي كان بيهددني. وفجأة سمعت صوت يوسف خلفي دلوقتي فهمتي ليه لازم تعرفي الحقيقة كلها؟ لفيت له. مين كان بيهدد أبويا؟ قبل ما يجاوب، سمعنا صوت عربية بتقف عند بوابة المقابر. ثم باب العربية اتفتح. ظهر شخص نزل منها. ولما شافني وقف مكانه. أنا كمان اتجمدت. لأن الشخص اللي نزل من العربية كان طارق. لكن الغريب مش إنه لحقني. الغريب إنه كان ماسك في إيده صورة قديمة وقال نادية، لازم ترجعي معايا فورًا. ليه؟ بص لي بخوف وقال لأن منى اختفت. ثم مد لي الصورة. وسيبتلك دي. نظرت للصورة وكانت صورة لثلاث ستات واقفين قدام بيت فاطمة. أمي. الحاجة فاطمة. وسيدة ثالثة. وفي ظهر الصورة جملة واحدة واحدة منهم أم منى والتانية قتلتها فضلت باصة للصورة، مش قادرة أصدق اللي مكتوب وراها. واحدة منهم أم منى والتانية قتلتها. رفعت عيني لطارق. إنت عرفت الصورة دي منين؟ قال وهو بيحاول يلتقط نفسه لقيتها في أوضة منى. وإنت دخلت أوضتها ليه؟ سكت. صرخت طارق! قال بسرعة منى اتصلت بيا قبل ما تختفي. قالت لك إيه؟ قالتلي إنها اكتشفت حاجة عن نفسها وإنها خايفة. يوسف قرب من الصورة. أول ما شافها، وشه اتغير. الصورة دي ما ينفعش تكون عند منى. قلت ليه؟ أشار للست التالتة. لأن دي مش أمها. بصيت له. إنت متأكد؟ قال أيوه. ثم أشار لامرأة واقفة في طرف الصورة. دي سعاد. قلبي دق بسرعة. سعاد بنت فاطمة؟ هز راسه. أيوه. طارق قال طب مين الست التانية؟ يوسف سكت طويلًا. ثم قال أم منى الحقيقية. قلت اسمها إيه؟ قبل ما يرد، سمعنا صوت خطوات خلفنا. لفينا. كانت منى واقفة عند مدخل المقبرة. وشها شاحب، وهدومها عليها تراب. جريت عليها. منى! إنتِ كنتِ فين؟! ما ردتش. بصت للصورة في إيدي. وبمجرد ما شافتها بدأت تبكي. قالت أنا شفت الصورة دي قبل كده. فين؟ رفعت إيدها المرتعشة وأشارت ناحية المدفن. جوا. يوسف قال مين دخّلك؟ منى بصت له. الست اللي كانت معايا. سألتها أنهي ست؟ منى ردت بصوت منخفض أمي. اتجمدنا. طارق قال أمك؟! هزت راسها. أنا ما كنتش عارفة إنها أمي لحد ما قالتلي اسمها. قربت منها. اسمها إيه؟ منى بصت لي في عيني. وقالت سعاد. رجعت خطوة للخلف. سعاد ماتت من أربعين سنة! منى هزت راسها. لأ. ثم قالت الجملة اللي خلت يوسف يفتح عينيه بصدمة سعاد عايشة. وفجأة سمعنا صوت باب المدفن بيتقفل من الداخل. يوسف جرى عليه. لكن قبل ما يفتحه، وصلنا صوت امرأة من الداخل نادية صوت هادي جدًا. لكنّي عرفته. كان صوت أمي. ثم قالت لو عايزة تعرفي مين قتل سعاد ادخلي لوحدك وقفت قدام باب المدفن، وسمعت صوت أمي من الداخل لو عايزة تعرفي مين قتل سعاد ادخلي لوحدك. يوسف مسك دراعي. نادية، لأ. بصيت له. طول عمري وأنا بدور على الحقيقة مش هقف دلوقتي. طارق قال أنا هدخل معاكي. لكن يوسف هز راسه. هي طلبت نادية لوحدها لسبب. دخلت. أول ما قفلت الباب ورايا، لقيت نور خافت جاي من مصباح صغير في آخر المدفن. وكانت أمي واقفة هناك. لكنها كانت مختلفة تمامًا عن الصورة اللي في ذاكرتي. وشها كان مرهق، وعينيها مليانة دموع. قلت إنتِ عايشة؟ قالت أيوه. ليه اختفيتي؟ سكتت. صرخت وليه خليتيني أعيش عمري كله وأنا فاكرة إن بابا مات؟ وليه منى كانت بتتربى معانا من غير ما أعرف إنها مش أختي؟ قالت بصوت مكسور لأن أبوكي طلب مني. طلب منك إيه؟ أحميكم. ضحكت بمرارة. أحمي مين؟ إنتِ اختفيتي وسِبتي بنتك! نزلت دمعة من عينها. منى مش بنتي لوحدي يا نادية. قربت منها. أمال بنت مين؟ أمي فتحت صندوق خشبي صغير كان جنبها. طلعت منه ورقة قديمة. وقالت سعاد كانت أختي. اتجمدت. إيه؟ فاطمة كانت أمي وسعاد كانت أختي. بصيت لها بعدم تصديق. يبقى إنتِ مين؟ قالت أنا هالة. الاسم وقع عليّ كأنه أول مرة أسمعه. هالة اسم كان مكتوب على ورقة قديمة شفتها وأنا طفلة، لكن بابا وقتها قال لي إنه اسم واحدة من قرايبنا. قلت وإيه اللي حصل لسعاد؟ أمي قربت مني. سعاد ما ماتتش. بس الصورة بتقول إن واحدة قتلتها! قالت دي كانت الخدعة. ثم أخرجت ظرفًا آخر. الناس كلها افتكرت إن سعاد ماتت لكن اللي ماتت كانت واحدة تانية. سألتها مين؟ قالت الست اللي كانت بتحاول تاخد منى من المستشفى. ثم مدت لي الورقة. وسعاد هربت. فتحت الورقة. وكان فيها إقرار قديم، وتحت الإقرار توقيع سعاد. لكن التاريخ كان بعد التاريخ اللي قيل فيه إنها ماتت. قلت يعني سعاد كانت عايشة؟ هزت رأسها. لسنين. وبعدين؟ أمي سكتت. نظرت لي بخوف. بعدها رجعت. رجعت فين؟ قالت لبيت فاطمة. إمتى؟ أمي قربت من الباب، وبصت ناحية الخارج. ثم قالت بصوت منخفض قبل وفاة فاطمة بشهر واحد. حسيت بقشعريرة. يعني فاطمة كانت عارفة إن سعاد عايشة؟ أيوه. ومنى شافتها؟ هزت رأسها. منى شافت أمها الحقيقية قبل اختفائها. فجأة سمعنا صوت خبط شديد على باب المدفن. صوت طارق نادية! افتحي! أمي مسكت إيدي بقوة. ما تفتحيش. ليه؟ قالت لأن طارق مش جاي علشان ينقذنا. ثم همست هو جاي ياخد الورقة. وبصت ناحية جيب جلابيتها. لأن الورقة دي بتثبت إن أبوه كان يعرف الحقيقة كلها. وفي اللحظة دي سمعنا صوت طارق من خلف الباب نادية افتحي، أنا عارف إن هالة معاكي. أمي بصت لي بخوف شديد. وقالت خلاص هو عرف اسمي الحقيقي أمي بصتلي بخوف وقالت لازم نخرج من هنا حالًا. لكن قبل ما نتحرك، صوت طارق جه من ورا الباب هالة أنا مش عايز أؤذي حد. أنا بس عايز الورقة. أمي ردت لو الورقة وقعت في إيدك، هتدمر حياة ناس كتير. طارق سكت لحظات، وبعدين قال الحقيقة هتدمر حياة أبويا مش حياتي. بصيت لأمي. هو عارف كل حاجة؟ هزت راسها. أكتر مما تتخيلي. قربت من أمي. طيب قوليلي الحقيقة قبل ما نخرج. تنهدت وقالت أبو طارق ما كانش مجرد شخص عارف اللي حصل سنة 1978 هو كان واحد من الناس اللي شاركوا فيه. سألتها شارك في إيه؟ في تزوير ملكية الأرض وتغيير أوراق الأطفال اللي كانت موجودة في المستشفى وقتها. حسيت إن الدنيا بتلف بيا. يعني منى منى كانت واحدة من الأطفال اللي اتغيرت أوراقهم. ثم أخرجت أمي مفتاحًا صغيرًا من جيبها. لكن الطفل اللي كانوا عايزين يوصلوا له مش منى. أمال مين؟ أمي بصتلي مباشرة. إنتِ. اتجمدت. أنا؟! قالت أبوكي اكتشف إنك كنتِ مرتبطة بالقضية من غير ما تعرفي. إزاي؟ قبل ما تكمل، الباب اتفتح فجأة. طارق دخل. وفي إيده مسدس لكنّه ما وجهوش لينا. وجهه لنفسه. وقال محدش يتحرك. أمي صرخت طارق، حط السلاح! قال أنا مش جاي أؤذيكم. ثم بص لي وقال أنا جاي أقولك إن أبويا مات وهو سايبلي رسالة. طلع ورقة مطوية من جيبه. قال لي ما أفتحهاش غير لما أسمع اسم هالة. مد الورقة لي. فتحتها. كان مكتوب فيها يا طارق لو وصلت لهالة، يبقى كل شيء انتهى. وتحتها نادية مش بنت الرجل اللي رباها. رفعت عيني ببطء. بصيت لأمي. أمي أنا بنت مين؟ لكن قبل ما ترد جاء صوت طرق قوي جدًا على باب المدفن. ثم صوت رجل من الخارج هالة! افتحي! أمي ارتبكت. وقالت مستحيل قلت مين؟ بصت ناحية الباب، ووشها اتغير تمامًا. يوسف. طارق قال يوسف مات من زمان. أمي هزت رأسها. لأ ثم همست ده مش يوسف. وفي اللحظة نفسها، بدأ الباب يتحرك بعنف. وأدركت إن كل اللي حصل من البداية كان مجرد بداية للحقيقة الباب بدأ يهتز بعنف. أمي قربت مني وهمست ما تفتحيش مهما حصل. طارق كان واقف مكانه، عينيه على الباب. مين اللي بره؟ أمي ما ردتش. الخبط زاد. هالة! افتحي! الصوت كان فعلًا شبه صوت يوسف لكن أمي قالت يوسف عمره ما كان بيناديني باسمي بالشكل ده. طارق بصلي. يعني إيه؟ قالت أمي لأنه يعرف اسمي القديم بس الاسم اللي محدش كان بيستخدمه غير أبو نادية. وفجأة توقف الخبط. سكون كامل. وبعد ثواني، سمعنا صوت مفتاح بيدخل في القفل. طارق رفع السلاح. أمي شدتني ناحية الحائط. الباب اتفتح ببطء. لكن مفيش حد دخل. طارق خرج بسرعة. مفيش حد! خرجنا وراه. كان الممر فاضي تمامًا. لكن على الأرض كان فيه ظرف. أخده طارق وفتحه. جواه صورة جديدة. صورة لوالدي ومعاه رجل يشبه يوسف جدًا. لكن على ظهر الصورة مكتوب الرجل اللي اختفى سنة 1978 لم يكن يوسف. يوسف الحقيقي كان واقف جنب أبويا في الصورة. أما الرجل اللي قابلناه عند المقابر كان شخصًا آخر. بصيت لأمي. إنتِ كنتِ عارفة؟ قالت كنت شاكّة. طارق قال طب مين الرجل ده؟ أمي قربت من الصورة. وفجأة وشها اتغير. ده أخو سعاد. قلت إزاي؟! قالت لأن سعاد كان عندها أخ توأم. حسيت إن كل الخيوط بتتشابك. طيب هو فين دلوقتي؟ أمي بصت ناحية الطريق. لو ظهر النهارده، يبقى عرف إننا وصلنا للحقيقة. في اللحظة دي رن موبايلي. رقم مجهول. رديت. جاء صوت رجل نادية؟ مين؟ قال أنا يوسف الحقيقي. بصيت لأمي. قال واللي معاكي مش هالة اللي إنتِ فاكرة. سكت. ثم قال اسأليها عن اللي حصل لأبوكي في الليلة الأخيرة. وقفل. بصيت لأمي. ماما أبويا مات إزاي؟ وشها انهار. وبعد صمت طويل قالت أبوكي ما ماتش. اتسعت عيني. إيه؟! قالت هو عايش لكن من يوم ما اختفى سنة 1978، عمره ما رجع لنا لأنه كان مستخبي من الشخص اللي كان بيطاردنا. وقبل ما أستوعب كلامها وصلتني رسالة على الموبايل. فتحتها. كانت صورة حديثة لرجل مسن. ولما شفت وشه وقعت مني الموبايل. لأن الرجل الموجود في الصورة كان أبي الموبايل وقع من إيدي. أمي قربت مني بسرعة نادية بصيلي. ما قدرتش أرد. كنت ببص للصورة اللي لسه واصلالي. أبويا. بنفس ملامحه اللي فاكرها من آخر مرة شوفته فيها وأنا صغيرة لكن أكبر بكتير. طارق أخد الموبايل وبص للصورة. الصورة دي اتصورت إمتى؟ جاءت رسالة جديدة من نفس الرقم من ساعتين. وبعدها رسالة تانية لو عايزة تشوفي أبوكي تعالي لوحدك. طارق قال فورًا لأ. دي خدعة. أمي هزت راسها. مش خدعة. بصيت لها إنتِ عرفتي منين؟ سكتت. قلت بعصبية إنتِ كنتِ عارفة إنه عايش طول السنين دي؟ دموعها نزلت. كنت عارفة إنه ممكن يكون عايش لكن ما كنتش أعرف مكانه. وليه مخبيتي عليا؟ قالت لأن أبوكي هو اللي طلب مني. طارق قرب منها طلب منك إيه؟ أمي بصتله وقالت أحمي نادية ومنى مهما حصل. وفجأة سمعنا صوت عربية وقفت قدام المدفن. ثم باب العربية اتقفل. طارق بص من فتحة الباب. وشه اتغير. في حد جاي. سألته مين؟ قال الأستاذ سامح. المحامي. أمي همست يبقى وصل لهم. لمين؟ ما ردتش. وفجأة سمعنا صوت سامح من بعيد نادية! طارق! اطلعوا فورًا! طارق مسك الورقة القديمة. الورقة دي لازم تخرج من هنا. لكن قبل ما يتحرك سمعنا صوت سامح بيقول جملة واحدة هالة أنا عارف إنك جوه. أمي بصتلي. وفي اللحظة دي فهمت إن المحامي ما كانش مجرد محامي طارق. كان جزءًا من القصة من البداية. لكن المفاجأة الأكبر كانت في اللي قاله بعدها ولو خرجتي يا هالة هقول لنادية مين قتل أبوها سنة 1978. أمي شهقت. وبصتلي وقالت نادية نعم؟ قالت بصوت مرتجف أبوكي ما اختفاش عشان يحمي نفسه. وسكتت لحظة. اختفى عشان يحمي قاتله أمي بصتلي، ووشها كان مليان خوف. أبوكي اختفى لأنه كان عارف إن الشخص اللي وراه مش عايز يقتله... سكتت. قلت أمال عايز يعمل إيه؟ ردت بصوت مكسور كان عايز يوصل ليكِ. طارق قرب خطوة. ليه نادية بالذات؟ أمي بصت له وقالت لأن نادية كانت المفتاح الوحيد اللي أبوها خبّاه عنهم. قبل ما أسألها يعني إيه، صوت سامح جه من بره هالة! آخر فرصة! أمي قربت مني بسرعة، وحطت الورقة القديمة في إيدي. لو حصل لي حاجة، ما تديش الورقة دي لأي حد. قلت حتى طارق؟ بصت لطارق لحظة طويلة. خصوصًا طارق. طارق اتصدم. ليه؟! أمي ردت لأن أبوك مش هو الشخص الوحيد اللي ورث سره. وفجأة سمعنا صوت سامح بيقول طارق إنت لسه فاكر إن أبوك مات من غير ما يسيب لك حاجة؟ طارق سكت. سامح كمل اسأله عن الغرفة رقم 17. طارق وشه اتغير. أول مرة أشوفه خايف بالشكل ده. بصيت له إيه الغرفة رقم 17؟ ما ردش. أمي قالت الغرفة اللي اتخبى فيها أبوكي ليلة اختفاء والدك. طارق قال بسرعة أنا عمري ما دخلت الغرفة دي. أمي ردت لكن أبوك دخلها. ثم اقتربت مني وهمست وهناك اتقابل أبوكي مع سعاد للمرة الأخيرة. تجمدت. سعاد؟ أم منى؟ هزت رأسها. أيوه. ثم أضافت وفي الليلة دي سعاد سلمت أبوكي حاجة أخطر من كل الأوراق اللي عندنا. سألتها إيه؟ لكن قبل ما تجاوب انطفأت الأنوار. وسمعنا صوت باب المدفن بيتقفل من الخارج. طارق صرخ سامح! مفيش رد. ثم أضاء طارق كشاف موبايله. وفجأة ظهر على الحائط قدامنا رقم مكتوب بالفحم 17 وتحته جملة واحدة لو عايزة تعرفي مين أبوكي كان بيحمي افتحي الباب. بصيت لطارق. أي باب؟ رفع الكشاف ناحية آخر المدفن. وكان فيه باب صغير أنا متأكدة إنه ما كانش موجود قبل كده بصيت للباب الصغير وأنا مش قادرة أتحرك. طارق قرب منه، ومد إيده ناحية المقبض. أمي صرخت استنى! طارق وقف. ليه؟ قالت الباب ده ما بيتفتحش من هنا. بصيت لها باستغراب. أمال بيتفتح إزاي؟ أمي قربت من الحائط، ولمست حجر صغير جنب الباب. وفجأة الحجر اتحرك. ظهر تحته تجويف صغير، جواه مفتاح نحاس قديم. أمي مسكته بإيد مرتعشة. أبوكي هو اللي حطه هنا. طارق قال إنتِ كنتِ عارفة المكان ده؟ من أربعين سنة. حطت المفتاح في الباب. اتسمع صوت تكة خفيفة. الباب اتفتح. وراه كان فيه ممر ضيق جدًا، نازل لتحت. طارق شغّل كشاف موبايله. مشينا ببطء. بعد كام متر لقينا أوضة صغيرة. وفي نصها ترابيزة خشب. فوق الترابيزة كان فيه جهاز تسجيل قديم. وجنبه ظرف مكتوب عليه لنادية عندما تعرف أن أباها ما زال حيًا. إيدي بدأت ترتعش. فتحت الظرف. جواه ورقة واحدة. قرأتها بصوت عالي يا نادية لو وصلتي للمكان ده، يبقى هالة اضطرت تقولك جزء من الحقيقة. بصيت لأمي. جزء؟ ما ردتش. كملت القراءة لكن أهم حاجة لازم تعرفيها إن الشخص اللي أنا كنت بحميه مش قاتل هو شاهد. طارق قرب مني. شاهد على إيه؟ قلبت الورقة. كان فيه سطر أخير والشاهد ده موجود معاكم من أول ما دخلتوا المدفن. رفعت عيني ببطء. بصيت لطارق. وبصيت لأمي. وبعدين بصيت ناحية الممر. كان واقف عند مدخله شخص ثالث. رجل طويل، لابس جاكت غامق. وشه مش واضح. قال بهدوء أخيرًا وصلتوا للغرفة. أمي تراجعت خطوة. طارق رفع السلاح. والرجل قال لو عايز تعرف يا طارق مين قتل الحقيقة اسأل أمك. طارق اتجمد. أمي؟ الرجل ابتسم. أيوه ثم بص لي وقال لأن أمك كانت آخر واحدة شافت أبوكي قبل اختفائه. وساعتها أمي قالت جملة خلت الدم يهرب من وشي أنا مش أم نادية سكتنا كلنا. طارق بص لأمي كأنه أول مرة يشوفها. يعني إيه مش أم نادية؟ أمي قربت مني، ودموعها نازلة. أنا اللي ربيتك لكن أمك الحقيقية ماتت وإنتِ صغيرة. حسيت إن رجلي مش شايلاني. مين كانت؟ أمي ما ردتش. الرجل الواقف عند باب الغرفة قال اسمها ليلى. بصيت له. وإنت مين؟ قال أنا أخوها. طارق رفع السلاح ناحيته. إنت اللي كلمت نادية؟ هز رأسه. أيوه. ثم أضاف وأنا اللي كنت براقبكم من أول ما خرجتوا من بيت فاطمة. أمي صرخت ليه رجعت دلوقتي؟ قال لأن فاطمة ماتت والسر بقى مكشوف. بصيت لأمي وفاطمة كانت تعرف أمي؟ هزت رأسها. كانت تعرف كل حاجة. الرجل حط إيده في جيبه وطلع صورة قديمة. مدها لي. في الصورة كانت ست شابة شايلة طفلة صغيرة. الطفلة كانت أنا. اتجمدت وأنا ببص للصورة. خلف الصورة كان مكتوب نادية مع أمها ليلى قبل ليلة الاختفاء. سألت وأنا صوتي بيرتعش ليلة اختفاء مين؟ الرجل قال ليلة اختفاء أبوكي. ثم بص لأمي والليلة دي ليلى ما اختفتش لوحدها. أمي أغمضت عينيها. طارق قال مين كان معاها؟ الرجل رد سعاد. أنا شهقت. أم منى؟ هز رأسه. أيوه. ثم أخرج ورقة أخرى. ودي آخر ورقة كتبها أبوكي. فتحتها. وكان أول سطر فيها أنا عارف إنهم هيحاولوا يقنعوا نادية إن أمها ماتت لكن الحقيقة إن ليلى وسعاد هربوا لإنقاذ طفل واحد. قلبي بدأ يدق بسرعة. قلبت الورقة. وفي آخرها كان فيه اسم واحد فقط منى. رفعت عيني ناحية أمي. يعني منى كانت سبب اختفاء أمي؟ أمي ردت بصوت ضعيف لأ وسكتت. ثم قالت منى كانت السبب اللي خلّى أبوكي يضحي بكل حاجة. وفجأة سمعنا صوت خطوات فوقنا. الرجل بص للسقف وقال حد وصل. طارق شد السلاح. لكن أمي قالت جملة خلتنا كلنا نسكت مش حد دول جايين ياخدوا منى فوقنا مباشرة، بدأنا نسمع خطوات كتير. خطوة وراها خطوة وراها همسات. طارق بص لأمي منى فين؟ أمي ردت في البيت. قلت بسرعة أنا سيبتها عند البيت قبل ما أجي هنا. الرجل الغريب قال يبقى لازم نتحرك فورًا. طارق بص له بشك وإنت هتساعدنا ليه؟ قال لأن منى مش مجرد بنت اتبدلت أوراقها. ثم بص لي. منى هي الدليل الوحيد إن اللي حصل سنة 1978 لسه ممكن يتثبت. سمعنا صوت ارتطام قوي فوقنا. أمي مسكت إيدي نادية مهما حصل، ما تسيبيش منى لوحدها. قلت طب وإنتِ؟ قالت أنا لازم أرجع معاكي. خرجنا من الممر بسرعة، ولما وصلنا لباب المدفن لقيناه مفتوح. لكن العربية اللي كانت واقفة بره اختفت. طارق طلع موبايله واتصل بمنى. رن مرة. مرتين. ثلاثة. مفيش رد. ثم وصلت رسالة من رقم منى. فتحتها. كانت جملة واحدة نادية، متجيش البيت أنا مش لوحدي. قلبي وقع. طارق خطف الموبايل من إيدي. دي مش طريقة منى في الكلام. أمي قالت لأنها مش هي اللي كتبت الرسالة. وفجأة وصلت رسالة ثانية. صورة. الصورة كانت لمنى قاعدة في أوضة، وراها ستارة زرقاء. وفي إيدها ورقة. وفي أسفل الصورة مكتوب عندك ساعة واحدة وإلا هتعرفي ليه أبوكي خبّى منى كل السنين دي. بصيت لأمي. هنروح لها. قالت أيوه. ثم سكتت لحظة وقالت لكن مش البيت. أمال فين؟ أمي بصت للصورة. وشها شحب. أنا عارفة المكان ده. فين؟ قالت الغرفة رقم 17. اتجمدنا كلنا. لأن الغرفة اللي كنا واقفين فيها من ثواني كانت مجرد نسخة. أما الغرفة الأصلية رقم 17 فكانت في مكان آخر تمامًا أمي قالت بسرعة الغرفة الأصلية كانت في مستشفى قديم المستشفى اللي اتنقلت منه سجلات الأطفال سنة 1978. طارق بص للرجل الغريب. وإنت عارف المكان؟ رد عارفه. تحركنا بسرعة. طول الطريق وأنا مش قادرة أبطل أفكر في الرسالة. منى مش مجرد بنت اتبدلت أوراقها. إيه اللي يخلي ناس من أربعين سنة لحد النهارده مستعدين يعملوا أي حاجة عشان يوصلوا لها؟ لما وصلنا، المكان كان مهجور تقريبًا. المبنى قديم، والنوافذ مكسورة، والباب الرئيسي عليه قفل صدئ. الرجل طلع مفتاح. فتح الباب. دخلنا. أمي وقفت فجأة قدام ممر طويل. وأشارت لرقم على الحائط. 17. قلت دي الغرفة؟ قالت أيوه. فتحنا الباب. الأوضة كانت فاضية تمامًا إلا من كرسي في المنتصف. وعلى الكرسي كانت قاعدة منى. إيديها حرة. وما كانش عليها أي أذى. لكن قدامها كان فيه رجل واقف وظهره لينا. منى أول ما شافتني قالت نادية! ما تقربيش! الرجل استدار ببطء. ولما شفت وشه عرفته. كان الأستاذ سامح. محامي طارق. طارق قال إنت اللي خطفت منى؟ سامح ابتسم. أنا ما خطفتهاش. قالت منى هو اللي جابني هنا. سامح رد لأن لو فضلتِ في بيتك، ناس تانية كانت هتوصل لك قبلي. أمي تقدمت خطوة إنت عايز إيه؟ سامح بص لي. عايز الحاجة اللي أبوكي خبّاها. قلت أبويا خبّى إيه؟ سامح ابتسم. مش ورقة ثم أشار ناحية منى. خبّى الحقيقة جواها. سكتنا. منى بصتلي بخوف. وسامح أخرج ملفًا قديمًا. فتح أول صفحة. وقال سنة 1978، اتسجلت طفلة باسم مختلف. قلب الصفحة. لكن بعد أيام، اتغير الاسم. ثم وضع الورقة أمامي. كان الاسم القديم نادية عبد الرحيم. والاسم الجديد منى عبد الرحيم. اتجمدت مكاني. منى بصتلي. وأمي بدأت تبكي. أما سامح فقال بهدوء واحدة منكم هي الطفلة الحقيقية ثم أغلق الملف. والتانية اتربت طول عمرها باسم مش اسمها سامح حط الملف قدامنا وقال الحقيقة بسيطة لكن اللي حصل من أربعين سنة اتبنى كله على كذبة واحدة. بصيت لمنى. يعني واحدة فينا مش نادية؟ سامح ابتسم ابتسامة غامضة. بالضبط. منى هزت راسها وهي بتبصلي أنا عمري ما شكيت في اسمي. أمي قالت بسرعة لأنك ما كنتيش المفروض تعرفي. طارق بص لأمه؟ إنتِ كنتِ عارفة؟ سامح رد بدلها هي كانت عارفة أكتر مما تتخيل. أمي بصت لسامح وقالت كفاية. سامح فتح صفحة من الملف. عندي سجل المستشفى الأصلي. حط ورقة قديمة قدامنا. كان فيها اسمين متشطبين، وتاريخ واحد. 17 نوفمبر 1978. وتحت التاريخ كان فيه ملاحظة بخط اليد الطفلة الأولى خرجت باسم نادية. ثم سطر آخر الطفلة الثانية خرجت باسم منى. قلت فين المشكلة؟ سامح قلب الصفحة. وكان تحتها ختم أحمر قديم. تم استبدال الملفين. سكت الجميع. طارق قال مين عمل كده؟ سامح بص لأمي. لكن أمي ما ردتش. وفجأة منى قربت من الورقة. وشها اتغير. الخط ده قلت تعرفيه؟ قالت أيوه. ثم رفعت عيني لأمي. ده خط فاطمة. أمي شهقت. سامح قال بالضبط. أنا حسيت إن قلبي وقف. يعني الحاجة فاطمة هي اللي بدلت الأسماء؟ سامح هز رأسه. لأ. وسكت لحظة. ثم قال فاطمة كانت بتحاول تصلح التبديل لكن حد سبقها وغيّر السجل للمرة الثانية. في اللحظة دي، سمعنا صوت مفتاح بيدور في باب الغرفة. كلنا بصينا ناحية الباب. ودخل رجل مسن ببطء. كان ماسك عصاية. أول ما شافته أمي وقعت الورقة من إيدها. وهمست لا طارق سأله إنت مين؟ الرجل رفع عينيه علينا وقال أنا الشخص اللي كتب السجل الأصلي. ثم بص لي مباشرة. وأنا الوحيد اللي يقدر يقولكم مين فيكم هي نادية الحقيقية الرجل العجوز بصّ لنا واحد واحد، وبعدين قال قبل ما أقول مين نادية الحقيقية لازم تعرفوا إن السجل اللي في إيدكم مش كامل. سامح اتوتر. إنت بتقول إيه؟ الرجل رد لأن الصفحة الأخيرة اختفت من المستشفى من أربعين سنة. طارق قال ومين خدها؟ الرجل بص له طويلًا. أبوك. طارق اتصدم. أبويا؟! أيوه. لأنه عرف إن الصفحة دي لو فضلت موجودة، هتكشف كل حاجة. أنا قربت منه. طب إنت عندك نسخة؟ هز رأسه. عندي أكتر من نسخة. ثم أخرج دفترًا صغيرًا من جيبه، وفتحه على صفحة قديمة. كان فيها اسمان وتاريخ الميلاد. لكن تحت الاسمين كان فيه سطر مكتوب بخط واضح الطفلة التي سُجلت أولًا باسم نادية ليست نادية. بصيت لمنى. منى بدأت تبكي. يعني أنا الرجل قاطعها استني. وقلب الصفحة. لأن الاسم اتغير مرة تانية بعد خروج الطفلتين من المستشفى. أمي قالت بصوت مرتعش ودي كانت آخر خدعة عملها أبو نادية. سامح فجأة اندفع ناحية الدفتر. لكن طارق وقف قدامه. إنت عايز تعمل إيه؟ سامح قال بعصبية سيبني! طارق مسكه من ذراعه. وأنا خطفت الدفتر. الرجل العجوز قال بصي على آخر سطر. بصيت. وكان مكتوب الطفلة التي حملتها ليلى ليلة اختفاء والدها كانت نادية. رفعت عيني لأمي. يعني أنا فعلًا نادية؟ أمي بدأت تبكي. لكن الرجل قال آه إنتِ نادية. تنفست براحة للحظة. ثم سألته ومنى مين؟ الرجل سكت. وبص لأمي. أمي غطت وشها بإيديها. وسامح قال بصوت منخفض هي بنت الشخص اللي كلنا كنا بنحاول نخبيه. قلت مين الشخص ده؟ قبل ما يرد وصل صوت من آخر الممر. صوت رجل كبير في السن أنا. كلنا لفينا. وكان واقف رجل ماسك عصاية وأول ما شفته، عرفت ملامحه فورًا من الصورة اللي وصلتني قبل ساعات. أبويا أول ما شوفته واقف قدامنا، نسيت أتنفس. بابا؟ الرجل قرب خطوة. أيوه يا نادية أنا أبوكي. دموعي نزلت من غير ما أحس. كنت عايزة أجري عليه، لكن أمي مسكت إيدي. استني. بصيت لها بصدمة. ده بابا! قالت عارفة. أبويا بص لها بحزن. لسه بتخبي عنها؟ أمي ردت كنت بحاول أحميها. قال الحماية خلصت يا هالة. سامح تراجع للخلف. مستحيل تكون عايش كل السنين دي. أبويا بص له وأنت مستحيل تكون محامي طارق وبس. طارق اتدخل بابا كان يعرف إنك عايش؟ أبويا قال أبوك كان يعرف كل حاجة. طارق سكت. ثم سأله طب ليه سكت؟ أبويا رد لأنه كان بيحاول يصلح جريمة شارك فيها بنفسه. سامح فجأة اندفع ناحية الباب. لكن الرجل العجوز مسكه. مش هتهرب المرة دي. سامح قال بعصبية إنت فاكر إن عندك دليل؟ أبويا ابتسم. الدليل مش معايا. ثم بص لي. الدليل مع نادية. اتصدمت. معايا أنا؟ هز رأسه. من يوم ما فاطمة دفعت أول فاتورة مية ليكي وهي كانت بتختبرك. قلت تختبرني ليه؟ أبويا قرب مني وقال لأنها كانت عارفة إنك الوحيدة اللي ممكن تكملي اللي أنا بدأته. ثم أخرج صورة قديمة ووضعها في إيدي. كانت صورة ليا وأنا طفلة. وعلى ظهرها جملة بخط فاطمة لو وصلت الصورة لنادية، يبقى وقتها لازم تعرف الحقيقة الأخيرة. قلبت الصورة. وكان مكتوب تحت الجملة منى ليست ابنتي وليست ابنة ليلى منى هي ابنة الرجل الذي يبحث عن نادية منذ 48 سنة. رفعت عيني لأبي. مين الرجل ده؟ أبويا سكت. ثم نظر ناحية سامح. سامح شحب وجهه. وقال أبويا أبوك يا طارق طارق رجع خطوة لورا كأنه اتضرب. أبويا؟! أبويا ما ردش عليه. فضل باصص ليه بثبات، وبعدها قال أبوك كان عارف إن منى موجودة وعارف مين أمها الحقيقية وعارف ليه اتبدلت الأسماء. طارق قرب منه إنت بتتهم أبويا بحاجة حصلت من أربعين سنة؟ أبويا قال بهدوء أنا مش بتهمه. أنا كنت شاهد. سامح قال بسرعة كفاية! الورق ده مش هيثبت حاجة. أبويا بص له الورق لوحده لأ. ثم أشار للدفتر اللي في إيدي. لكن التسجيل هيغيّر كل حاجة. قلت تسجيل إيه؟ أبويا مد إيده ناحية الدفتر. الصفحة اللي أبو طارق سرقها من المستشفى ما كانتش صفحة من السجل. سكت. ثم قال كانت شهادة بخط إيده هو. طارق بص له في ذهول. شهادة بإيه؟ أبويا رد شهادة إنه هو اللي طلب تبديل أسماء الطفلتين. منى شهقت. وأمي حطت إيدها على بوقها. أما سامح، فبدأ يتراجع ناحية الباب مرة تانية. لكن أبويا قال ومش دي المفاجأة. وبص لي مباشرة. لأن أبو طارق ما كانش بيحاول يخفي مين هي نادية وسكت لحظة. كان بيحاول يخفي مين أم نادية الحقيقية. حسيت الأرض بتتحرك تحت رجلي. أمي؟ أبويا بص ناحية أمي. أمي كانت بتعيط. قلت لها ماما إنتِ كنتِ عارفة؟ ما ردتش. فأبويا قال هي عارفة من أول يوم. قربت منها خطوة. عارفة إيه؟ رفعت عيني لي، وقالت بصوت مكسور يا نادية أنا مش أمك. وفجأة وقع الدفتر من إيدي. لكن قبل ما حد يتكلم، سمعنا صوت صفارة عربية إسعاف برا المستشفى. سامح بص من الشباك. واتغير لون وشه. قال لا هما وصلوا. طارق سأله مين؟ سامح ما ردش. وأبويا بص لي وقال لو عايزة تعرفي مين أمك الحقيقية لازم نخرج من هنا قبل ما يوصلوا لنا. لكن قبل ما نتحرك، سمعنا صوت خطوات كتير بتقرب من باب الغرفة. وبعدين صوت رجل من بره قال افتحوا الباب معانا أمر بالقبض على نادية عبد الرحيم اتجمدنا كلنا مكاننا. صوت الضابط من ورا الباب اتكرر نادية عبد الرحيم افتحي الباب فورًا! طارق بص لأبويا إنت كنت عارف إنهم جايين؟ أبويا هز راسه. لأ بس كنت عارف إنهم هييجوا. بصيت له بصدمة. يعني إيه؟ قال لأن الشخص اللي بيحركهم مش عايز يقبض عليكي. سكت لحظة. هو عايز يخوفك عشان تسلمي الحاجة اللي معاكي. نظرت للدفتر. الدفتر؟ لأ. بص في عيني مباشرة. المفتاح. حطيت إيدي في جيبي. المفتاح الصغير اللي فاطمة اديتهولي. وفجأة سمعت صوت تكسير من ناحية الباب. سامح همس لو دخلوا كلنا هنتحبس. طارق رد وإنت خايف ليه؟ سامح ما جاوبش. أبويا قرب مني بسرعة وقال ورا الستارة فيه باب صغير. بصيت. وفعلًا، كان فيه باب شبه مخفي في الحيطة. هتخرجي منه وتروحي للمكان اللي هقولك عليه. قلت وإنت؟ ابتسم. أنا هفضل هنا. لأ! قال بحزم يا نادية، المرة دي لازم تسمعي كلام أبوكي. قبل ما أتحرك، سمعنا الباب الرئيسي بيتفتح بعنف. دخل صوت الضابط فتشوا المكان! أبويا بص لي للمرة الأخيرة وقال مهما حصل ما تفتحيش الصندوق بالمفتاح إلا قدام الشخص اللي هتلاقيه هناك. سألته مين الشخص؟ اقترب مني وقال بصوت منخفض أمك الحقيقية. ثم فتح الباب السري. خرجت وأنا مش قادرة أستوعب اللي قاله. لكن قبل ما الباب يقفل، سمعت صوت أمي من الغرفة نادية! رجعت أبص لها. كانت بتعيط. وقالت لو قابلتيها قولي لها إني آسفة. اتقفل الباب. ومشيت في الممر الضيق وأنا حاسة إن كل خطوة بتبعدني عن حياتي القديمة وفجأة لقيت ورقة ملزوقة على الحيطة. فتحتها. كان مكتوب لو وصلتي هنا، يبقى أبوكي قالك إن أمك عايشة. وتحتها عنوان. العنوان كان لبيت قديم جدًا لكن اللي خلاني أرتعش إن الاسم المكتوب تحته كان ليلى عبد الرحيم. نفس الاسم اللي شفته في الصورة القديمة. وفجأة سمعت صوت ست كبيرة من آخر الممر بتقول نادية؟ وقفت مكاني. الصوت كمل أنا مستنياكي من أربعين سنة وقفت قدام الصوت وأنا مش قادرة أتحرك. مين؟ الست خرجت من الضلمة ببطء. كانت كبيرة في السن، شعرها أبيض، وفي إيدها صورة قديمة. ولما قربت، عرفت الصورة فورًا. كانت نفس الصورة اللي شفتها قبل كده أنا طفلة، وفي حضني ست شابة. كانت ليلى. الست قالت أنا أمك يا نادية. دموعي نزلت. بس ماما قالت قاطعتني هالة ربتك وحمتك، لكن ليلى هي أمك اللي ولدتِك. سألتها طب ليه كل ده حصل؟ قالت سنة 1978، أبو طارق اكتشف إن أبوكي عرف حقيقة تزوير ملكية الأرض. ولما حاول يفضحه، بدأوا يهددوا كل اللي حواليه. ومُنَى؟ تنهدت. منى كانت بنتي. اتصدمت. بنتك إنتِ؟ هزت رأسها. أيوه. لكن أبو طارق كان فاكر إن وجودها ممكن يوصله لأبوكي، فاضطر أبوكي يبعدها عن كل الناس ويسلمها لفاطمة. وعشان كده بدلتوا الأسماء؟ قالت مش إحنا. ثم بصت لي بحزن. أبو طارق هو اللي بدّل السجل عشان يخلي الكل يعتقد إن منى هي نادية، وإنك إنتِ اختفيتي. طب ليه فاطمة كانت بتساعدني؟ ابتسمت. لأنها وعدت أبوكي إنها هتحافظ على البنتين لحد ما الحقيقة تظهر. في اللحظة دي فهمت كل حاجة. فاتورة المية الظرف المفتاح والدفتر. كلهم ما كانوش صدفة. فاطمة كانت بتجهزني للحقيقة من غير ما تخوفني. وبعدها دخل أبويا. وقف قدامي وقال أنا آسف يا نادية. جريت عليه وحضنته. وبعد لحظات قال لكن في حاجة واحدة لسه لازم تعرفيها. بصيت له. إيه؟ قال الشخص اللي كان بيحرك طارق وسامح مش أبو طارق. سألته أمال مين؟ أبويا أخرج آخر ورقة من الملف. وكان عليها توقيع قديم. توقيع فاطمة. شهقت. الحاجة فاطمة؟ هز رأسه. فاطمة كانت بتعمل كل ده لأنها كانت بتحاول تمنع جريمة أكبر. جريمة إيه؟ قال كانت عارفة إن أبو طارق مات من سنين. سكت لحظة. ثم قال والشخص اللي كان بيستخدم اسمه بعد موته كان طارق نفسه. اتجمدت. افتكرت اتهامه ليا المحامي محاولته ياخد الأوراق وخوف سامح. فهمت أخيرًا. طارق ما كانش بيدور على الحقيقة. كان بيدور على الدليل اللي يقدر يدفن الحقيقة للأبد. لكن فاطمة سبقتهم. وفي وصيتها الأخيرة كتبت أنا ما كنتش بدفع لنادية تمن أنا كنت بشتري وقت. وكنت مستنية اليوم اللي تعرف فيه البنت إن أغلى حاجة ورثتها من أبوها مش البيت ولا الأرض لكن الحقيقة. بعد أسابيع، ظهرت المستندات القديمة، واتفتحت القضية من جديد. طارق وسامح اتحاسبوا على التلاعب في الأوراق ومحاولات إخفاء الأدلة. أما منى، فاكتشفت أخيرًا أصلها الحقيقي، وعرفت إن فاطمة ما كانتش مجرد ست عجوز عايشة لوحدها. كانت الحارسة الأخيرة للسر. وأنا؟ رجعت البيت القديم. دخلت أوضة فاطمة لأول مرة بعد كل اللي حصل. لقيت شجرة الياسمين لسه موجودة. وتحتها صندوق صغير. فتحته لقيت آخر رسالة منها يا نادية لو وصلتي للنهاية، يبقى أنا قدرت أوفي بوعدي لأبوكي. ابتسمت وسط دموعي. وساعتها فهمت ليه كانت بتسيبني أدفع فاتورة المية في السر كل السنين دي هي ما كانتش محتاجة حد يدفع عنها. كانت بس محتاجة تعرف هل البنت اللي أنقذها أبوها من أربعين سنة لسه عندها قلب يساعد حد من غير ما يستنى مقابل؟ والإجابة كانت أيوه. وده كان كل السر.