ضرتى

الجزء الثالث الحياة الجديدة والوفاء بالعهد
مرت السنتان، وتغيرت أشياء كثيرة، أصبحت سلمى في السادسة عشرة من عمرها، فتاة جميلة، ذكية، متفوقة في دراستها، محبوبة من أصدقائها ومعلميها، وأصبحت بالنسبة لي حقاً ابنتي، لم أعد أشعر بفرق بينها وبين ما لو كان لدي ابنة من صلبي، كنت أتحدث عنها في كل مكان ابنتي سلمى، وكنت فخوراً بها جداً.
قمت بتسجيلها رسمياً كابنة لي، وحصلت على كل الأوراق الرسمية التي تثبت كفالتي لها، وكل ما يخصها من ممتلكات أصبحت تحت إشرافها، وكنت أجلس معها من وقت لآخر لنتكلم عن المستقبل، وعن ما تريد فعله، وكنت دائماً أقول لها كل ما تريدينه سوف أكون معك، سأكون بجانبك خطوة بخطوة، لن أتخلى عنك أبداً.
في يوم من الأيام، وبينما كنا جالسين في الحديقة أمام البيت، سألتني فجأة
يا عمو هل ټندم على أي شيء حدث؟ هل ټندم لأنك تركتها،
أو لأنك عرفت الحقيقة؟
فكرت للحظة، ثم أجبتها بصدق
أنا أندم لأنني كنت أعمى، وأندم لأنني سمحت لكِ تعاني كل ده لوحدك، لكنني لست نادماً أبداً لأنني عرفت الحقيقة، ولست نادماً على أي قرار اتخذته، لأن القرار الصحيح دائماً يكون صعباً، لكنه يبقى الصحيح، وكل ما حدث جعلنا أقرب لبعض، وجعلنا نقدر قيمة بعضنا البعض، وجعلنا نعرف أن الحقيقة مهما كانت مؤلمة، فهي أفضل بكثير من الخداع، وأن الظلم مهما طال، فإن الله يمهل ولا يهمل، وإن الحق سوف يعود لأصحابه يوماً ما.
ابتسمت، وقالت
وأنا مش نادمة أبداً، لأنني عرفت أنك نعم العم ونعم الأب، وأن الله لم يتركني وحيدة، وأنه أرسلك لي لتكون لي عوناً وسنداً، وكل ما حدث كان سبباً في أن أكون الآن معك، وأن أكون سعيدة.
في تلك اللحظة، شعرت بسعادة غامرة، وشكرت الله في سري، لأنه أنقذني من الغي، وهداني إلى الصواب، ولأنه أعطاني هذه الابنة الرائعة، التي أصبحت أغلى ما أملك في الدنيا.
بعد سنوات، تخرجت سلمى من الجامعة بتفوق، وأصبحت طبيبة أطفال، تماماً كما كان والدها يتمنى، ووقفت بجانبها في حفل التخرج، وكنت أشعر بالفخر والاعتزاز، وكأنني أتسلم جائزة كبيرة، لأنني وفّرت الأمانة التي أوكلها لي أخي، ولأنني استطعت أن أجعل ابنة أخيه تحقق حلمه، وتصبح إنسانة نافعة لنفسها وللمجتمع.
في نهاية الحفل، أتت إليّ، وأمسكت بيدي، وقالت بصوت عالٍ ليسمع الجميع
هذا والدي، هذا الذي أنقذني، وهذا الذي كان لي كل شيء، فبدونه لم أكن لأكون هنا اليوم، ولم أكن لأحقق أي شيء، فشكراً لك يا أبي، شكراً لأنك كنت بجانبي دائماً.
دمعت عيناي، وضممتها إليّ، وعرفت حينها أن كل ما مررت به، كل الألم، كل الصعاب، كانت تستحق، لأن النهاية كانت سعيدة، ولأن الحق انتصر، ولأن الأمانة ردت لأهلها، ولأن الله أكرمني بجزاء صبري وحفظي لأمانة أخي.
وبقيت حتى آخر عمري، أتذكر كلام أخي في التسجيل، وأتذكر الحكمة التي قالها الأمانة ليست كالمال، إنها أثقل وأغلى بكثير، وكنت أقول لنفسي دائماً لقد حملت الأمانة، وكنت أهلاً لها، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
انتهت القصة، لكن أثرها بقي، وستبقى درساً لكل من يقرأها، درساً في أن الثقة يجب أن تكون مع الحذر، وأن الظلم لا يدوم، وأن الأمانة هي أثقل ما يمكن أن يحمله الإنسان، وأن الله لا يضيع أجر المحسنين، ولا يضيع حق المظلوم مهما طال الزمن، ومهما حاول الظالم إخفاء الحقيقة، فإن الله يكشفها في الوقت الذي يريده، وينصر من يشاء.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *