ثمن الابوة والندم

المجتمعات العمرانية وللصحف الرسمية قبل اجتماع الترسية بساعة، زي ما مدام فريدة طلبت بالظبط. المحامي صړخ پجنون يا فندم إنت واعي للي بتقوله؟! دي خسارة فادحة وشروط جزائية ومستقبلك في السوق هيهتز والناس هتقول عاصم بيه انهار أو اټجنن!. عاصم قفل السكة في وشه وقال لنفسه خليهم يقولوا اللي يقولوه… المهم عيالي يرجعوا ، وأنا هبدأ من جديد بس المرة دي وأنا أب بجد ومش راجل آلي.
الفصل السابع التنازل التاريخي وذهول السوق
يوم الأحد الصبح، يوم اجتماع الترسية الكبير اللي كان مستنيه السوق العقاري والتجاري كله في البلد، كانت القاعة الكبرى في الوزارة مليانة
بالمهندسين والمستثمرين ورجال الصحافة والإعلام. الكل كان مستني دخول عاصم المنشاوي المنطلق بقوة عشان ياخد الصفقة التاريخية دي ويثبت ملكه. المنافس الأجنبي والتحالف التاني كانوا قاعدين متوترين وحاطين إيديهم على قلوبهم لأنهم عارفين إن عرض عاصم مستحيل منافسته. وفجأة، وقبل بداية الاجتماع وإعلان النتيجة بساعة واحدة، انتشر خبر كالصاعقة وهز أركان المبنى والسوق كله ونزل على شاشات الأخبار الاقتصادية عاجل رجل الأعمال عاصم المنشاوي، ملك المقاولات، يعلن تنازله الرسمي والكامل وغير المشروط عن الصفقة الكبرى وانسحابه من التحالف العقاري لأسباب شخصية وخاصة جداً!. الذهول حل على الكل، الصحفيين بدأوا يجروا ويتصلوا، والمنافسين مش مصدقين نفسهم ومستغربين إزاي الملك يتنازل عن عرشه بالبساطة دي ويسيب صفقة بمليارات تروح لغيره من غير قتال أو منافسة.
في نفس اللحظة، كان مندوب من مكتب عاصم واقف قدام باب شقة فريدة البسيط، ومعاه ظرف حوا فيه صورة من مستند التنازل الرسمي الموثق والممضي ومختوم بختم الدولة، مع نسخة من الجرايد الرسمية اللي نزلت فيها الأخبار. فريدة فتحت الباب واستلمت الظرف، ولما فتحت الورق وقرأت الكلام، دموعها نزلت من غير ما تحس وصډمتها كانت حقيقية. ماكنتش متخيلة ولا واحد في المية إن عاصم المنشاوي، الراجل اللي بيعشق الفلوس والنفوذ أكتر من روحه، هيتخلى فعلاً عن صفقة عمره واللقب اللي عاش يبنيه طوب فوق طوبة عشان خاطر شروطها وعشان يشوف ولاده. عرفت في اللحظة دي إن عاصم اتغير بجد، وإن صدمة الأبوة والندم عملت معجزة وكسرت الجبروت اللي كان جواه. شالت الورق ودخلت أوضة الأولاد، بصت لآدم ويوسف وهما بيلعبوا ببراءة وقالت لهم بصوت مليان شجن خلاص يا حبايب قلبي… حقكم رجع، وأبوكم دفع تمن غلطته غالي قوي، وباع الدنيا كلها عشانكم.
الفصل الثامن اللقاء الأول والدموع الدافئة
بعد مرور أربعة وعشرين ساعة على التنازل التاريخي اللي هز البلد، رن تليفون عاصم وكان المتصل فريدة. قالت له بنبرة هادية وخالية من الغل القديم عاصم… تعالي اليوم الساعة خمسة المغرب في حديقة الطفل العامة البسيطة اللي في الحي بتاعنا، هتشوف الأولاد وهنقعد سوا نصلح ورقهم. عاصم ما صدقش نفسه، لبس هدوم بسيطة جداً وعادية، وما ركبش عربته الفارهة؛ أخد عربية تاكسي عادية وراح للمكان عشان ما يلفتش النظر ولا يضايق فريدة وعياله بمظاهر الغنى والنفوذ اللي بيكرهوها. دخل الحديقة العامة البسيطة وعيونه بتدور في كل مكان زي المچنون، لحد ما شافهم قاعدين على دكة خشبية تحت شجرة كبيرة؛ فريدة ولابسة فستان هادي، وجنبها التوأم آدم ويوسف بيلعبوا ب طائرات ورقية صغيرة وبسيطة.
قرب عاصم منهم وخطواته بترتعش، فريدة شافته وشاورت للولاد وقالت لهم بصوت حنون آدم… يوسف… تعالوا يا حبايب قلبي، ده عاصم… الأب اللي قُلت لكم إنه كان مسافر في شغل بعيد وطويل جداً، ودلوقتي رجع عشان يفضل معاكم ومعي على طول ومش هيسافر تاني. الأولاد وقفوا وبصوا له بعيونهم الواسعة والجميلة، نفس الملامح والعيون والابتسامة اللي شافها في المخبز. عاصم ما قدرش يتمالك نفسه، نزل على ركبه على الأرض والتراب، وفتح دراعاته والدموع نازلة من عينيه زي السيول. يوسف الصغير قرب منه بخطوات بطيئة وحط إيده الصغيرة على وش عاصم ومسح دموعه وقال إنت بابا؟ إنت اللي كنت في الطيارة وبتجيب لنا النجوم والكواكب؟. عاصم هما الاتنين بقوة وعڼف وډفن وشه في كتافهم الصغيرة وهو بيبكي وينتحب بصوت مسموع هز قلوب الناس اللي في الحديقة، وكان بيشم ريحتهم
وبيقول سامحوني يا ولادي… أنا أسف يا حبايب قلبي، أنا عمري كله فداكم، مش هسيبكم
تاني أبداً، أنا جيت عشان أفضل تحت رجليكم. فريدة كانت واقفة بتبص للمشهد ودموعها نازلة بغزارة، وحست إن الۏجع والمرار اللي عاشت فيه خمس سنين لوحدها بدأ يدوب ويختفي قدام صدق دموعه وندمه وتضحيته الكبيرة.
الفصل التاسع بناء البيت والبداية الجديدة من الصفر
مرت الأسابيع والشهور، وعاصم بدأ يغير حياته بالكامل وبشكل جذري ومتكامل. قفل ورق القضايا وورق الأولاد في المحاكم والسجلات الرسمية، وبقى اسمهم رسمياً آدم عاصم المنشاوي ويوسف عاصم المنشاوي، واحتفلوا بالموضوع ده في جو عائلي دافي وبسيط جداً من غير أي مظاهر صخب أو صحافة. عاصم ما رجعش لغروره القديم في الشغل؛ بالرغم من إنه خسر الصفقة الكبرى وضاعت منه مليارات واسمه اهتز شوية في سوق الحيتان الكبار، إلا إنه بدأ يركز في مشاريع من نوع تاني خالص؛ مشاريع بناء مستشفيات أطفال مجانية، وتطوير مدارس حكومية متهالكة في الأحياء الفقيرة والشعبية، وبناء مجمعات سكنية مخصصة للشباب بأسعار بسيطة، وبقى يسمي المشاريع دي مشاريع آدم ويوسف للخير.
فريدة وافقت بعد فترة من الوقت والالحاح الصادق والحب والمراعاة، إنها ترجع له وتتجوزوا من جديد، بس بشرط إنهم ما يعيشوش في القصر الكبير الفاخر والقديم اللي بيفكرها بالأيام السوداء والوحدة والقسۏة؛ طلبوا مهندسين وبنوا بيت حديقة جميل ومتوسط الحجم ودافي ومحاط بالأشجار والزهور، وعاشوا فيه سوا كعيلة حقيقية ومترابطة. عاصم كان بيصحي الصبح بدري بنفسه عشان يحضر الفطار للتوأم، ويوصلهم للمدرسة البسيطة في عربية عائلية عادية، ويقعد مع يوسف الصغير بالليل يقرأ معاه كتب الكواكب والفضاء الخارجي ويرسم معاه النجوم، وياخد آدم يشتري له كل لفائف القرفة والحلويات اللي كان بيتمناها ويشتهيها زمان في المخبز الشعبي القديم ويوزع منها على أطفال الحي كلهم.
الفصل العاشر حصاد الټضحية وملك القلوب الحقيقي
بعد مرور كام سنة، كبر التوأم آدم ويوسف وبقوا في المدرسة الابتدائية، وكانوا متميزين جداً ومتفوقين، ومتربيين على الأخلاق والكرامة وعزة النفس اللي زرعتها فيهم أمهم فريدة، وعلى العطاء والحب اللي اتعلمه أبوهم عاصم بعد درس العمر القاسې. وفي يوم من الأيام، كان فيه حفل تكريم كبير ورسمي لرجال الأعمال والمستثمرين اللي ساهموا في تطوير المجتمع وبناء البنية التحتية للمناطق العشوائية والفقيرة في البلد. عاصم كان معزوم في الحفل ده كضيف شرف رئيسي ومكرم أول. وقف عاصم على المنصة الكبرى ولابس بدلة أنيقة بس هادية، وبص للقاعة؛ لقى فريدة قاعدة في الصف الأول وجميلة ومتألقة ووشها مليان رضا وسعادة، وجنبها التوأم آدم ويوسف وهما بيبصوا له بفخر وحب وبيدقوا له بإيديهم الصغيرة بكل قوة.
مسك عاصم الميكروفون وبدأ يتكلم وصوته مليان ثقة وحكمة وهدوء الناس زمان والمجتمع كانوا بيسموني ملك المقاولات، وكانوا فاكرين إن نجاح الراجل بيتقاس بحجم الصفقات اللي بيقفلها والمليارات اللي بيجمعها في حساباته والقصور والشركات. لكن أنا أحب أقولكم اليوم ومن واقع تجربتي وندمي وعمري اللي فات، إن كل الملايين والصفقات دي متساويش مليم واحد، ومتساويش لحظة كبرياء أو ضحكة صافية من طفل من دمك ولحمك وهو داخل عليك البيت وبيقولك يا بابا. أنا اليوم مش ملك المقاولات ولا ملك الفلوس؛ أنا اليوم ملك القلوب بفضل زوجتي العظيمة فريدة اللي علمتني الإنسانية والكرامة، وبفضل ولادي آدم ويوسف اللي أنقذوا روحي وعقلي من الجشع والأنانية. تضحيتي بصفقة المليارات زمان كانت أعظم وأذكى صلب وإمضاء عملته في حياتي
كلها، لأن الخسارة المادية دي هي اللي كسبتني عيلتي وحياتي ونفسي اللي كانت ضايعة. القاعة كلها وقفت وسقفت بحرارة ودموع، وعاصم نزل من على المنصة وجري على فريدة والتوأم واضنهم بقوة، وهو عارف ومقتنع من جوا قلبه إن الحق والخير والدم دايماً بيكسبوا في النهاية، وإن الملك الحقيقي مش اللي بيملك الأبراج والمولات، لكن اللي بيملك حب عيلته ورضا ربنا وراحة الضمير.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *