"ابني أخيرًا خلّف من ست بجد، ست بتخلف وعمرها ما كانت أرض بور!" الجملة دي نزلت زي جردل مية ساقعة على الأرضية اللامعة بتاعة مستشفى الشروق في حي الدقي. الموظفين بتوع الاستقبال، الممرضات، الدكاترة الامتياز، وحتى أهالي المرضى اللي قاعدين في الصالة، كلهم لفوا دماغهم في نفس اللحظة. الصوت كان فيه نبرة غطرسة وسمّ مش محتاج يزعق عشان يكسر اللي قدامه. الدكتورة نادية كاردينال رفعت عينها من على دوسيه المريض اللي كانت بتراجعه على مكتب الاستقبال. لمدة خمس سنين، كانت بتسمع نفس القسوة دي متغلفة في شكل "خوف عائلي" ونصايح حموات. الحاجة إلهام الكاشف، حماتها السابقة، ظهرت وهي بتزق عربية بيبي مزدوجة سودا، عجلها كبير والبطاطين بتاعتها مطرزة بخيوط دهب بـ أول حروف من أسامي العيال. كانت لابسة نظارة شمس سودا، عقد لولي، وعباية استقبال شيك جداً وغالية ومفيش سبب يخليها تلبسها في مشوار مستشفى الصبح. وهي ماشية، كانت بتبص للناس كأنها مستنية الكل يوسع لها السكة. نادية ما اتهزتش من مكانها. كان بقالها 6 شهور مطلقة. 6 شهور من يوم ما شريف الكاشف، جوزها السابق، أعلن في عشا عائلي في مطعم غالي في الزمالك إنه هيطلقها عشان "العيلة محتاجة امتداد واسم يكمل". 6 شهور من يوم ما صحابهم وقرايبهم والناس في الشغل استلموا النسخة الرسمية من القصة: "نادية شاطرة جداً كدكتورة، بس فاشلة كست بيت... ومابتخلفش". الحاجة إلهام لفت على كل القرايب تكرر الجملة دي وهي مبتسمة. قربت الحاجة إلهام من مكتب الاستقبال وقالت: — شوفوا مين هنا! الدكتورة الكبيرة.. دكتورة النساء والتوليد اللي بتولد نسوان الناس، ومش عارفة تجيب لـ ابني حتة عيل! ممرضة صغيرة واقفة فتحت بقها بصدمة وعايزة ترد، بس نادية رفعت إيدها براحة عشان توقفها. مكانتش عايزة فضايح. مش خوف.. لكن تعب. نادية قضت سنين طويلة بتدافع عن كرامتها على طرابيزات مكنش حد فيها عايز يسمع الحقيقة أصلاً. الحاجة إلهام وطت على عربية الأطفال وظبطت الغطا على التوأم، كأنها بتعرض مجوهرات: — اتفرجي.. الورثة الحقيقيين لعيلة الكاشف. توأم. صبيان. زي الورد. هما دول اللي ابني كان يستاهلهم من الأول. نادية بصت على العيال. شعرهم أسود ومجعد شوية، بشرتهم قمحية، ورموشهم طويلة. كانوا زي الملايكة.. ملهمش أي ذنب في المسرحية الرخيصة اللي الست دي عاملاها. بس كان فيه حاجة واضحة وضوح الشمس. العيال مفيهمش ريحة الشبه من شريف! شريف الكاشف كان طويل، أبيضاني جداً، عنيه ملونة، وبشرته فاتحة لدرجة إنه في الصور العائلية كان بيبان منور لوحده. العيال دول مكانش فيهم ملمح واحد من ملامحه. نادية بلعت ريقها. مش من الوجع.. من السخرية! سنين والحاجة إلهام بتلقح عليها كلام: "أرض بور"، "ست مش كاملة"، "مزهرية غالية ملهاش لازمة". وفي كل عزمة رمضان أو لِمة عيلة، بعد الشاي والحلو، ييجي السؤال السخيف: — هاه.. مش هنفرح بالوريث بقى؟ وشريف كان دايماً يفضل ساكت. يبص في طبقه. يغير الموضوع. أو يقرصها من تحت التربيزة، مش عشان يواسيها، لأ.. عشان يسكتها وماتتكلمش. الحقيقة كانت محبوسة في دوسيه طبي شريف نفسه اترجى دكاترة التحاليل يداروه ويبقى سري للغاية. المشكلة عمرها ما كانت في نادية. بس شريف فضل إنه يشوفها بتتجرح وتتهان قدام أهله، على إنه يعترف إن عيب عدم الخلف منه هو، وإن اسمه مش هيجيب الوريث اللي أمه بتطالب بيه كأنه عقد صفقة. الحاجة إلهام كملت بتشفي: — إيه؟ مش هتباركيلي؟ ابني بنى حياته من جديد مع بنت صغيرة، زي الأرض الخصبة، وبتعرف الأصول وعارفة مقامها كويس. صالة المستشفى بقت هس ومفيش نفس. ست واقفة مستنية دورها في المعمل بطلت تهز رجلها. عامل شايل مريض وقف في مكانه. دكتور أطفال امتياز ضم الفايل اللي في إيده على صدره ومتابع. نادية خدت نفس طويل: — يا حاجة إلهام، إحنا في مستشفى.. ده مش مكان للكلام ده. الحموات السابقة ابتسمت بـ لؤم: — لأ مكان ونص.. مش ده المكان اللي بتقضي فيه طول اليوم تعملي نفسك خبيرة في الخلفة والأمومة؟ قولت آجي أوريكي الستات بجد بتعمل إيه. فجأة، صوت راجل طلع من ورا نادية: — وهو حضرتك متأكدة إن ابنك حكاكِ القصة كاملة؟ مكانش زعيق. كان أوحش.. جملة هادية، واثقة، ومظبوطة بالمسطرة. الكل لف وراه. الدكتور كريم رأفت، رئيس قسم المسالك البولية والذكورة والعقم بالمنظار. كان ماشي ناحية نادية وبالطو الدكتور مفتوح، والكارنيه بتاعه باين من جيب القميص. دكتور تقيل، معروف في المستشفى كلها بـ هيبته وإنه ملوش في القيل والقال ومشاكل الناس. عشان كده، ظهوره في اللحظة دي جمد الدم في العروق. كريم وقف جنب نادية. وقدام عين الحاجة إلهام، مسك إيد نادية براحة. مش كـ زميل.. كـ راجل بيحمي ست تخصه. وش الحاجة إلهام اتقلب. عنيها نزلت ببطء لبطن نادية، اللي كانت بدأت تبان فيها تدويرة خفيفة جداً من تحت البالطو الأبيض. الضحكة اتمحت من على وشها. وقالت بـ صدمة: — لأ.. مش ممكن! ده مستحيل! كريم بص لها من غير ما يرمش: — المستحيل فعلاً إننا نسيبك تكملي إهانة فيها بناءً على كدبة. الحاجة إلهام رجعت خطوة لورا: — ابني قالي إنها مابتخلفش! كريم رد بكل برود: — ابنك كداب. السكوت في الصالة بقى تقيل لدرجة تخنق. كريم حط إيده ورا ضهر نادية بحنية يسندها وكمل: — من سنتين، شريف الكاشف شرفني في عيادتي هنا في المستشفى. وطلب فحوصات عقم كاملة.. وطلب مني شخصياً إن الموضوع يفضل سر للمقابر. الحاجة إلهام وشها بقى أصفر زي الليمونة: — اسكت.. متكملش! — لأ هكمل —كريم رد بقوة— حضرتك جيتي تهيني دكتورة محترمة في مكان أكل عيشها ووسط زمايلها.. يبقى تسمعي بقى اللي ابنك مكانش راجل كفاية عشان يقولهولك! في اللحظة دي، الباب الإلكتروني بتاع المستشفى اتفتح بسرعة. شريف دخل بيجري، عرقان، نفسه مقطوع، وقميصه متبهدل ومش مقفول صح. أول ما شاف أمه، وعربية الأطفال، ونادية وكريم واقفين ماسكين إيد بعض.. وقف في مكانه كأنه خبط في حيطة سد. وقال وهو بينهج: — أمي!.. أنا مش قولتلك مَتعمليش كدا ومتجيش هنا؟! الحاجة إلهام لفت له وعنيها بتطلع شرار: — شريف!.. إيه اللي الدكاترة دول بيقولوه ده؟! شريف ما نطقش ولا كلمة. بص لـ كريم برعب وكسرة عين.. وفي لحظة السكوت دي، كل اللي واقفين في المستشفى فهموا إن فيه سر كبير ووسخ كان مستخبي.. ودلوقتي حالا هيطلع للنور. الفصل الثاني: الستر لما يتفضح شريف كان واقف في نص صالة المستشفى كأنه تمثال شمع سايح. العرق ينزل من جبهته يبل لياقة قميصه، وعينيه بتتحرك برعب بين أمه اللي وشها اتقلب ألوان، وبين نادية اللي كانت واقفة ساندا ضهرها على مكتب الاستقبال، وإيد الدكتور كريم لسه محاوطاها بحنية، كأنه بيقفل في وش الدنيا كل أبواب الخوف. الناس في الصالة مكانتش بتتنفس. ممرضة الاستقبال سحبت نفس كتمته جوة صدرها، والعيال التوأم اللي في العربية بدأ واحد منهم يزن زنة خفيفة، بس مفيش حد من الكبار اتهز عشان يطبطب عليه. كل الأنظار كانت متثبتة على شريف، المستنيين الكلمة اللي هتنزل زي السكينة تخلص المولد ده. الحاجة إلهام قربت من شريف بخطوات سريعة، كعب جزمتها بيخبط في الأرض زي دقات ساعة القيامة. مسكته من دراعه وجزت على سنانها بصوت مكتوم بس الكل سمعه: — انطق يا شريف! واقف زي الويبة كده ليه؟ رد على الدكتور ده.. قوله إنه مخرف! قوله إن نادية هي اللي أرض بور وأنت اللي جبت الصبيان دول عشان ترفع راسي! شريف بلع ريقه، وصوته طلع مبحوح، يدوب طالع من حنجرته: — يا أمي.. خلينا نمشي من هنا. بلاش فضايح في وسط المستشفى، الناس بتتفرج علينا. — فضايح؟! —الحاجة إلهام زعقت والشرار بدأ يطلع من عينيها، ونظارة الشمس اللي كانت على وشها رفعتها فوق شعرها عشان تبان عينيها الجاحظة— الفضيحة هي السكات بتاعك ده! أنا جيت هنا عشان أكسر لعين اللي كانت فاكرة نفسها ست الدكاترة، جيت أوريها مقامها.. تقوم أنت تقف قدامها مكسور الكلمة كده؟ انطق يا واد! قول للناس دي إنك سليم! في اللحظة دي، الدكتور كريم رأفت ساب إيد نادية براحة، وأخد خطوة واحدة لقدام. الخطوة دي كانت كفيلة تخلي شريف يرجع لورا خطوتين من الخوف. كريم كان هادي، وهدوءه ده كان مرعب أكتر من أي زعيق. — هو مش هينطق يا حاجة —كريم قالها بنبرة باردة زي التلج— لأن شريف عارف كويس إن الفايل بتاعه لسه عندي على الكمبيوتر في العيادة، والنسخة المطبوعة منه ممضية بختم المستشفى وبتوقيعي أنا شخصياً. تحبي أقول للمستشفى كلها التحاليل كانت بتقول إيه من سنتين؟ ولا تحبي تقري بنفسك نسبة الحيوانات المنوية والضمور الكامل اللي عنده؟ الصدمة نزلت على وش الحاجة إلهام كأن حد لطشها بالقلم. بصت لابنها اللي وشه بقا أصفر زي الكركم، وعينيه في الأرض مش قادر يرفعها في عين أمه. — شريف؟ —صوتها بدأ يترعش، والغطرسة اللي كانت داخلة بيها المستشفى بدأت تتفرفـت حتة حتة— الكلام ده صح؟ أنت.. أنت مابتخلفش؟ شريف حط إيديه الاتنين على الوش وخبا وشه، وصدره بدأ يعلو ويهبط كأنه بيموت: — خلاص يا أمي.. خلاص يرحم أبوكي، يلا نمشي من هنا.. الحاجة إلهام سابته وبصت لعربية الأطفال اللي فيها التوأم. العربية اللي كانت داخلة بتزقها كأنها شايلة عليها عرش الملك. بصت للعيال اللي شعرهم أسود ومجعد وبشرتهم السمرة، وافتكرت كلام نادية في سرها لما بصت للعيال وشافت إن ملهمش أي علاقة بملامح شريف الأشقر الأبيضاني. — أُمال.. أُمال العيال دول بتوع مين؟ —إلهام سألت والسؤال طلع مخنوق، كأنها بتغرق— مرتك الجديدة جابت الصبيان دول منين يا شريف؟! لو أنت مابتخلفش.. العيال دول ولاد مين؟! شريف منطقش. فضل كاتم وشه بإيديه، بس المرة دي بدأ صوته يطلع بنشيج مكتوم، راجل بطوله وعرضه واقف يعيط في وسط صالة المستشفى من الكسرة. هنا، نادية أخدت نفس طويل، وعدلت البالطو الأبيض بتاعها. كانت حاسة بمرارة غريبة في بقها. مكنتش فرحانة، ولا شمتانة. كانت حاسة بنوع من النظافة.. كأن قذارة خمس سنين من الإهانات والظلم اتمسحت في ثانية واحدة، بس سابت وراها رماد عيلة كاملة بتتفحم قدامها. نادية قربت خطوتين وبصت لحماتها السابقة وقالتلها بصوت هادي وفيه لوم يوجع: — شوفتي يا حاجة إلهام؟ شوفتي آخرة الظلم والتجريح؟ خمس سنين وأنتِ في كل لِمة عيلة وكل عزمة تسمّي بدني بكلامك. "الست اللي مابتجيبش عيال ملهاش لزمة"، "البيت اللي مفيش فيه عيل يتهد على دماغ صاحبه". وكنت بمسك نفسي عشان خاطر شريف، وعشان قالي إن دي أسرار بيوت ومينفعش نطلع عيبنا برة. نادية لفت وبصت لشريف اللي كان لسه بيعيط: — مكنتش أعرف إن العيب اللي خايف عليه يطلع برة هو عيبه هو، وإنه سايبني أتفرم تحت رجليكي ورجلين قرايبك عشان يحمي رجولته المزيفة في عيونكم! طلقني ور رماني للناس تاكل في سمعتي وتقول "المعيوبة"، وراح اتجوز البنت الصغيرة اللي من برا القاهرة عشان يعمل المسرحية دي.. بس غباءه وغبائك خلاكم تيجوا لحد عندي.. لحد المستشفى اللي أنا بشتغل فيها، واللي فيها سركم مدفون! الحاجة إلهام مكانتش سامعة كلام نادية. كانت زي اللي جالها ذهول. لفت وشها بسرعة ورجعت لعربية الأطفال، شالت الغطا من على الوشوش الصغيرة بعنف، وبصت في ملامح العيال وهي بتترعش. تفتكر شكل "مروة"، البنت اللي شريف خطبها واتجوزها في أقل من شهرين بعد الطلاق. البنت الهادية، المؤدبة، اللي أهلها وافقوا عليه في ثواني ومطلبوش غير الستر. البنت اللي ولدت في أول الشهر السابع توأم صبيان كاملين النمو وزي الورد! الخيوط كلها بدأت تتجمع في دماغ الحاجة إلهام. ولادة في الشهر السابع؟ وعيال كاملين ومحتاجوش حضانة؟ والملامح دي؟ قربت من شريف وشدته من قميصه بكل قوتها لدرجة إن زراير القميص اتقطعت واترمت على الأرض: — انطق يا بن إبراهيم! مرتك خانتك؟ العيال دول مش ولادك؟ أنت كنت عارف وداريت عليها عشان تداري على خيبتك؟! انطق يا شريف قبل ما أقسم بالله أروح أولع في البيت وفيها! شريف وقع على ركبه في الأرض، ومسك رجل أمه وهو بيبكي بانهيار: — أنا اللي اتفقت معاها يا أمي!.. أنا اللي اتفقت معاها! الكلمة نزلت على الصالة كأنها قنبلة غاز. الكل كتم نفسه أكتر. الدكتور كريم ضيق عينيه وبص لشريف بقرف، ونادية حطت إيدها على بقها بصدمة. مكنتش متخيلة إن الموضوع يوصل للدرجة دي من القذارة. شريف وهو على الأرض، صوته كان طالع متقطع من العياط والخوف: — لما طلقت نادية.. الدنيا اسودت في وشي. كنت عارف إنك مش هترحمني، وإن العيلة كلها مستنية الوريث. مروة كانت بنت غلبانة من قرايب واحد صاحبي في البلد.. كانت.. كانت غلطت مع واحد ضحك عليها وسابها، وكانت حامل في شهرين ومصيبتها هتتـفضح وأهلها يقت*لوها. صاحبي جه اترجاني أستر عليها.. وأنا.. أنا لقيتها فرصة! الحاجة إلهام رجعت لورا كأنها اتكهربت، عينيها وسعت على الآخر: — فرصة؟! فرصة تجيب لـ عيلة الكاشف عيال حرام وتكتبهم باسمك يا ناقص؟! — كنت عايز أحمي نفسي من كلامك! —شريف زعق فجأة وهو على الأرض، والغل اللي جواه طلع— كنتِ كل يوم بتدبحيني بكلامك عن الخلفة والوريث! كنتِ هتموتيني لو عرفتي إني مش راجل ومبجيبش عيال! اتجوزتها وقولت هسقطها ونعيش، بس لما عرفت إنهم توأم وصبيان، الشيطان لعب في دماغي.. قولت أهو عيال يشيلوا اسمي، والناس تسكت، وأنتِ تفرحي وتسيبي نادية في حالها وتنسي الموضوع! أنا اشتريت الستر ليها.. واشتريت لنفسي العيال اللي عمر صلبى ما هيجيبهم! الحاجة إلهام حست إن الأرض بتلف بيها. الست اللي كانت داخلة المستشفى وراسها في السما، وبترمي الكلام على دكاترة وممرضات كأنهم عبيد عندها، بقت واقفة مش عارفة تودي وشها فين من الناس اللي واقفة تتفرج. الفضيحة مكانتش بس إن ابنها مبيخلفش.. الفضيحة إنها شايلة في إيدها عيال ملهمش أصل، وابنها شارك في تزوير نسب عشان يداري خيبته وخيبتها. بصت لنادية.. نادية اللي كانت بتبص لها بنظرة كلها شفقة. الشفقة كانت أصعب على إلهام من الشماتة. وفي وسط المولد ده كله، الدكتور كريم قرب من شريف، وطى عليه ومسكه من لياقة قميصه وقومه من على الأرض بقوة: — اقم طولك كدا وامشي من هنا. المستشفى دي مكان محترم، مش مسرح للمساخر بتاعتكم. خد أمك والعيال دي واطلعوا برة، والورق بتاعك والتحاليل القديمة والجديدة كلها هتكون عندك على الواتساب حالا، عشان لو فكرت أنت أو الست والدتك تعتبوا باب المستشفى دي تاني، أو تجيبوا سيرة الدكتورة نادية بكلمة واحدة.. أنا بنفسي هرفع قضية تزوير نسب بالتحاليل اللي معايا، وهخلي فضيحتكم على شاشات التلفزيون. سامع ولا مش سامع؟ شريف هز راسه برعب وهو بيمسح دموعه: — سامع.. سامع يا دكتور. والله العظيم ما هتشوفوا وشنا تاني. شريف مسك دراع أمه اللي كانت زي المشلولة، مابتتحركش ولا بتتكلم، عينيها مبرقة في الفراغ وصدرها بيعلو ويهبط بصعوبة كأن جلطة بتطبخ في دماغها. شدها براحة، ومسك يد عربية الأطفال المزدوجة، وبدأ يجرها ويمشي بيها ناحية الباب الخارجي. الناس في الصالة وسعوا لهم السكة.. بس المرة دي مش هيبة ولا احترام زي ما إلهام كانت فاكرة.. المرة دي وسعوا لهم بقرف واشمئزاز، والهمسات بدأت تطلع وتزيد زي طنين الدبان: "يا ساتر يارب.. بقا بيتبلى على مرته وهو العيب فيه؟" "وشاري عيال حرام عشان المنظرة؟ يمه من الست دي وأمها.. ذنب الدكتورة الغلبانة دي جابهم الأرض". أول ما شريف وأمه خرجوا من الباب الإلكتروني والمستشفى فضيت منهم، الصالة رجعت لهدوئها، بس الهدوء المرادي كان فيه نبرة احترام تانية خالص لنادية. نادية لفت وشها وبصت لكريم. كانت لسه إيديه ساندة ضهرها، وحست بدفا غريب في اللحظة دي. بصت في عينيه وقالت بصوت واطي وخافت: — شكراً يا كريم.. لولاك كنت زماني واقفة مستحملة قرفهم ومكسورة قدام المستشفى كلها. كريم ابتسم لها بحنان، ونزل عينيه لبطنها اللي كانت باينة شوية تحت البالطو، وقال بنبرة مليانة حب وأمل: — أنا مَعملتش غير الصح يا نادية. أنتِ دكتورة محترمة، ومراتي.. واللي في بطنك ده ابني أنا، الوريث الحقيقي اللي ربنا بعتهولنا عشان يعوضنا عن كل الوجع ده. مكنش ينفع أسيب الستات دي تتطاول عليكِ وأنا واقف. نادية حطت إيدها على بطنها، وحست بأول حركة خفيفة للجنين جوة أحشائها. حركة صغيرة كأنها بتأكد لها إن الكابوس انتهى والرحلة الجديدة بدأت بجد. لكن الحكاية مكانتش هتقف هنا.. لأن شريف وأمه لما خرجوا من باب المستشفى وركبوا العربية، الحاجة إلهام لفت وشها لابنها وعينيها ماليها الغل الأعمى، وقالتله بصوت يشبه فحيح الحية: — الحكاية دي لو طلعت برة المستشفى يا شريف.. أنا هقت*لك وهق*تلها. والبت اللي في البيت دي.. مروة.. قسماً عظماً ما هتبات في بيتي ليلة واحدة.. والعيال دول هيترموا لأهلها في البلد. شريف بص لأمه برعب، ومكنش عارف إن مروة في البيت مكانتش قاعدة مستنية.. مروة كانت مجهزة مفاجأة تانية خالص لعيلة الكاشف، مفاجأة هتقلب الترابيزة على الكل وتخلي الفضيحة اللي حصلت في المستشفى مجرد تسخين للي جاي.. الفصل الثالث: النار لما تقيد في العشة العربية المرسيدس السودا بتاعة شريف كانت ماشية في شوارع الدقي كأنها تابوت بيتحرك على أربع عجلات. السكوت جوة العربية كان يقطع الأنفاس، مفيش فيه غير صوت تزييق العجل وبكاء خفيف ومكتوم من واحد من التوأم اللي ورا في الكنبة. الحاجة إلهام كانت قاعدة جنب شريف، عينيها مبحلقة في زجاج العربية الأمامي، وشها مشدود لدرجة إن عروق رقبتها كانت بارزة وزرقا كأنها حبال. إيدها اللي ساندة على شنطة يدها اللولي كانت تترعش بعنف. كل ما تفتكر شكل الممرضات والدكاترة والستات الغرب وهم بيبصوا لها بقرف، تحس بنار بتاكل في أحشائها. الغطرسة والوجاهة الاجتماعية اللي عاشت طول عمرها تبنيهم في وسط عائلات الزمالك ومصر الجديدة، انهاروا في دقايق على أرضية مستشفى الشروق. شريف كان سايق بإيد واحدة، والإيد التانية بيمسح بيها العرق اللي مش راضي يقف. كان بيبص لأمه من تحت لتحت، مستني الانفجار، مستني السكينة اللي هتنزل على رقبته. — بقا بتغفلني يا شريف؟ —الصوت طلع من الحاجة إلهام فجأة، واطي، مخنوق، بس مليان غل يزهّق الروح— بتغفل أمك اللي شيبت شعر رأسها عشان تعملك بني آدم؟ عشان تخليك راجل بجد قدام الناس؟ تروح تتجوز حتة بت صايعة من الأرياف، حامل من الحرام، وتدخلها بيتي؟ وتخليني أشيل عيالها وأبوسهم وأفتخر بيهم وأنا شايلة في إيدي "لقطة" ملهمش أصل؟! — يا أمي ارحميني بالله عليكِ! —شريف صرخ وهو بيضرب الدريكسيون بإيده— أنا كنت هتموتيني! كنتِ كل يوم بتعايريني بالخلفة من غير ما تقصدي! "ابن عمك جاب الواد"، "قريبنا خطب وخلف في سنة"، "البيت اللي ملوش وريث ملوش لازمة"! كنتِ عايزاني أعمل إيه؟ أجي أقولك إن ابنك الحيلتك اللي شايفة نفسك بيه قدام الدنيا كلها "عاجز" ومبيخلفش؟ إن عيلة الكاشف هتقف عندي؟ أنا عملت كده عشان أرضيكِ! عشان أسكت لسان الناس اللي مبيجرحش غيري! الحاجة إلهام لفت له وضربته بكف إيدها على كتفه بعنف: — ترضيني بالعار؟! ترضيني بالتزوير؟! يا خيبتك القوية يا بن إبراهيم! ده نادية.. نادية اللي كنت بقول عليها أرض بور وسكّنتها المر، طلعت حامل! شوفتها؟ شوفت بطنها؟ شوفت الدكتور وهو ماسك إيدها وبيقول مراتي وفي بطنها ابني؟ نادية اللي طردناها بالهدوم اللي عليها، ربنا عوضها برئيس قسم، واد تقيل ومالي مركزه، وهيجيب له الحتة اللي تشيل اسمه.. وأنت واقف قدامهم زي العيل السرقان! وشك في الأرض، وقميصك مقطوع، وشايل في إيدك فضيحتك! شريف جز على سنانها وعينيه احمرت من الغضب المكبوت: — نادية خلاص ماتت بالنسبة لي.. والكلب اللي اسمه كريم ده حسابه معايا بعدين. المهم دلوقتي هنعمل إيه؟ المصيبة في البيت.. مروة في البيت! الحاجة إلهام سحبت نفس طويل، وضوافرها غرزت في جلد الشنطة: — هنعمل إيه؟ العربية دي تطلع على شقة المهندسين حالا. البت دي متقعدش في بيتي دقيقة واحدة. هجرجرها من شعرها من على السرير، والعيال دول هاخدهم وأرميهم في وش أهلها في البلد، وأفضحها وسط قرايبها وأخلي أبوها يغسل عاره بإيده.. وأنت.. أنت هتطلقها في ثانية، والسر ده لو طلع برة باب العربية دي، أنا هتبرى منك ليتوم القيامة يا شريف! شريف هز راسه بالموافقة بسرعة، وداس بنزين بكل قوته. كان جواه طاقة غل وعايز يفرغها في مروة. مروة البنت اللي افتكرها مكسورة الجناح وهتمشي تحت طوعه وتعيش خدامة تحت رجل أمه عشان يداري مصيبته وتداري مصيبتها. كان حاسس إنها السبب في كل اللي حصل، ونسي تماماً إنه هو اللي جابها وهو اللي استغل ظروفها عشان يحمي كبريائه المزيف. العربية وقفت بفرملة قوية هزت الشارع قدام العمارة الشيك في المهندسين. شريف نزل بسرعة، وفتح الباب لـ أمه اللي نزلت وهي بتنهج من كتر العصبية. شريف شال العربية المزدوجة اللي فيها التوأم وهو بيتحرك زي المجنون، وطلعوا في الأسانسير لـ الدور الرابع. أول ما شريف حط المفتاح في الكالون وفتح الباب، الحاجة إلهام زقته ودخلت الصالة زي الإعصار: — يا مروة! يا بت يا صايعة يا خطّاءة! اطلعيلي هنا! البيت كان هادي زيادة عن اللزوم. ريحة البخور اللي مروة بتولعها دايماً كانت مالية المكان، بس مفيش حس. شريف دخل ورا أمه وحط عربية العيال في الصالة، وجري على أوضة النوم وفتح الباب: — مروة! أنتِ فين؟! الأوضة كانت مترتبة، السرير نضيف، بس دواليب الهدوم كانت مفتوحة على الآخر! شريف حس ببرودة فجأة في جسمه. قرب من الدولاب، لقى الهدوم الخروج بتاعة مروة كلها مش موجودة. الرفوف الفاضية كانت كأنها بتضحك عليه. — يا أمي! —شريف زعق وصوته اتهز— مروة مش هنا! الهدوم مش موجودة! الحاجة إلهام جريت على الأوضة، وبصت للدولاب الفاضي، وبعدين عينها راحت على التسريحة. لقت علب الذهب والمجوهرات اللي شريف كان شاريها ليها عشان المنظرة قدام الناس، كلها مفتوحة وفاضية! مفيش غير ورقة بيضا متطبقة ومحطوطة تحت قزازة البرفان. شريف مد إيده وهو بيترعش وسحب الورقة. فتحها، وكانت مكتوبة بخط إيد مروة البسيط بس الواضح. الحاجة إلهام قربت منه وبصت في الورقة، وشريف بدأ يقرا بصوت مخنوق: "شريف.. أنا مش هبله ولا نايمة على وداني. أنا عارفة إنك اتجوزتني وبأهلك وافقتوا عليا بسرعة عشان تداري خيبتك وتعملني الست الميعوبة اللي جابت عيال حرام عشان ترفع راسك قدام أمك. وعارفة إنك كنت ناوي ترميني أنا والعيال أول ما الناس تنسى حكاية نادية وتصدق كدبتك. صاحبتك أو الممرضة اللي في عيادة الدكتور كريم.. حبيبة قلبي وجارتنا في البلد، هي اللي قالتلي على كل حاجة من زمان، وقالتلي إنك مابتخلفش وإنك واخد الفايل بتاعك وداريته. أنا أخدت الذهب كله اللي في البيت، وأخدت الفلوس اللي كنت شايلها في الخزنة الصغيرة في المكتب، تمن سكاتي وتمن الستر اللي قولت إنك بتمّن بيه عليا. العيال دول بتوعك في الورق وباسمك وبصمتك في شهادات الميلاد الرسمية، ومتقدرش تنكرهم وإلا هتدخل السجن بتهمة تزوير نسب والبلد كلها هتعرف إنك مش راجل. أنا مسافرة برة مصر.. رايحة بلد تانية أبدأ فيها حياتي بالفلوس والذهب. والعيال عندك أهو، اشبع بيهم وخلي الحاجة إلهام تفرح بالورثة الحقيقيين لعيلة الكاشف! طلاقي يوصلي غيابي في خلال أسبوع، وإلا المحامي بتاعي في مصر معاه نسخة من تحاليل العقم بتاعتك ومعاه شهادات العيال، وهيخلي الفضيحة بجلاجل في محاكم الأسرة وعلى صفحات الفيس بوك. أشوف وشكم بخير يا عيلة الكاشف." شريف ساب الورقة من إيده، ووقعت على الأرض. رجليه مكانتش شايلاه، فقعد على السرير ووشه شاحب كأن الموت زاره. — هربت.. —شريف همس بصوت ضايع— هربت وأخدت الذهب والفلوس.. وسابت العيال! الحاجة إلهام كانت واقفة كأن حد ضربها بصاعقة من السما. بصت للورقة المرمية على الأرض، وبعدين لفت وبصت برة الأوضة، ناحية الصالة.. حيث العيال التوأم بدأوا يصرخوا مع بعض بصوت عالي جداً.. صريخ جعانين، صريخ عيال ملهمش ذنب، بس بقوا هما الدليل الحي على أكبر كدبة وفضيحة في تاريخ العيلة. — الفلوس.. الذهب.. الشرف.. كله راح؟ —إلهام بدأت تتكلم بصوت غريب، كأن عقلها بدأ يفوت— البت ضحكت علينا؟ غفلتنا وأخدت شقا عمرك وسابت لنا عيال الحرام نربيهم باسمنا؟ فجأة، تليفون شريف اللي في جيبه رن بصوت عالي. شريف أخرجه بآلية وهو مش دريان بالدنيا. بص على الشاشة، لقى الرقم بتاع "كبير العيلة"، عم الحج فاروق الكاشف، الراجل الكبير اللي كلمته سيف على الكل والكل بيعمله ألف حساب. شريف بلع ريقه وبص لأمه برعب: — ده.. ده عمي فاروق! الحاجة إلهام خطفت التليفون منه وفتحت السبيكر بصوت بيترعش: — أيوة يا حاج فاروق.. أهلاً يا خويا. صوت الحج فاروق جه من الناحية التانية، بس مكانش فيه الود المعتاد. الصوت كان حاد وقاسي وزي الرعد: — أهلاً بيكِ يا إلهام. أنا عايز أعرف إيه الفضيحة اللي دايرة في البلد دي؟ ابنك شريف فين؟ إلهام اتلعثمت: — فضيحة؟ فضيحة إيه يا خويا؟ إحنا في بيتنا والحمد لله.. — متكدبيش عليا يا إلهام! —الحاج فاروق زعق في التليفون— الدكتور كريم رأفت يبقا نسيب صاحبي وحبيبي المستشار عدلي. والخبر وصلني حالا! المستشفى كلها بتتكلم عن شريف وعنك! بتتكلم عن التحاليل والكدب والتزوير، والبت اللي شريف متجوزها! صبيان العيلة اللي كنتِ جاية تتباهي بيهم طلعوا مش ولادنا؟ وشريف مبيخلفش وطارد نادية الدكتورة بنت الأصول ومتبلي عليها؟! الحاج فاروق أخد نفسه وكمل بغضب أعمى: — قسماً بالله العظيم، لو الكلام ده طلع صح، ومس سمعة عيلة الكاشف في السوق، لـ أكون شاطب اسم شريف من الميراث، ومفيش حد من العيلة هيدخل بيته ولا يسلم عليه! أنا باعت لكم رجالة حالا ياخدوا شريف والبت دي والعيال ونعمل تحليل DNA في المعمل المركزي تحت عيني! لو طلع ابنك كداب وكاتب عيال حرام باسمنا.. أنا بنفسي هسلمه للمباحث بتهمة التزوير! نص ساعة وأكون عندكوا في الشقة! الخط قطع. التليفون سكت، بس صريخ التوأم في الصالة كان بيزيد وبيعلى، كأنه بيعلن بداية النهاية. شريف بص لأمه وعينيه مليانة رعب خالص: — عمي جاي.. والـ DNA هيثبت كل حاجة.. ومروة هربت بالفلوس والورق. إحنا ضيعنا يا أمي.. ضيعنا خالص! الحاجة إلهام حطت إيدها على صدرها، وحست بنغزة قوية كأن سيخ حديد محمي دخل في قلبها. النفس بدأ يهرب منها، ورجليها سابت، ووقعت على السجادة وهي بتنهج بصعوبة وعينيها مبرقة في سقف الأوضة، وشريف بيصرخ باسمها بانهيار.. بينما نار الفضيحة كانت خلاص قادت في العشة ومفيش حد هيقدر يطفيها. الفصل الأخير: نهاية اللعبة.. وحصاد الغرس الصريخ في شقة المهندسين كان طالع من كل حتة. شريف واكع على ركبه جنب أمه على السجادة، بيزق في كتفها ويبكي بانهيار: — أمي! ردي عليا يا أمي! بلاش تموتي وتسيبيني لوحدي في المصيبة دي.. يا أمي عشان خاطري فتحي عينك! الحاجة إلهام كانت مرمية زي الشوال، عينيها لسه مبرقة في السقف وشفاييفها زرقا، بس يدوب بتسحب النفس بالعافية وصوت حشرجة طالع من صدرها. الغل والخوف والكسرة عملوا جلطة في ثواني، والست اللي كانت بتمشي في الدنيا تنهي وتأمر، بقت مش قادرة حتى ترفع صباعها الصغير. وفي وسط الرعب ده، صريخ التوأم في الصالة كان واصل لسابع سماء. عيال مكملوش أسبوعين، جعانين وعايزين يغيروا، ومفيش حد في البيت فاضي لهم ولا حد طايق يبص في وشهم. السكوت بتاع الشقة اتمسح وبقا بداله صوت الهلاك اللي بيقرب. فجأة، جرس الباب رن. دقات قوية ورا بعضها، كأن اللي برة عايز يكسر الخشب. شريف اتنفض من مكانه، وشه بقا خالي من الدم. — عمي فاروق!.. جه! شريف قام يجر رجليه، فتح باب الأوضة وبص على الصالة، وبعدين مشي لحد الباب الخارجي وفتح وإيديه بترتعش. الحاج فاروق الكاشف كان واقف برة، بطوله وعرضه، ولابس جلبابه الصعيدي الشيك وعبايته السودا، ووراه اتنين رجالة من قرايبهم، وشوشهم تقطع الخميرة من البيت. أول ما الباب اتفتح، الحاج فاروق زق شريف بإيده ودخل الصالة وعينيه بتطلع شرار. — فين أمك يا شريف؟ وفين مرتك؟ —الحاج فاروق زعق بصوت هز الحيطان. — عمي.. الحجني يا عمي.. أمي جرى لها جلطة وميتة جوة على السرير! —شريف قالها وهو بيبكي زي العيال الصغيرة ومسك في عباية عمه. الحاج فاروق بص له بقرف وزق إيده: — جلطة؟ ده من عمايلكم السودا! اخلص يا واد قولي الكلام اللي سمعته في البلد ده صح ولا كدب؟ الدكاترة في مستشفى الشروق باعتين كلام يخرب بيوت! قولي العيال دول ولادك ولا لأ؟ شريف هبط على الأرض من كتر التعب والخوف، ومقدرش ينكر. الورقة بتاعة مروة كانت لسه في إيده، مدها لعمه وهو بيترعش: — مروة.. مروة هربت يا عمي. أخدت الفلوس والذهب وسابت العيال.. وقالت إنها.. إنها مغفلاني والعيال مش ولادي! الحاج فاروق خطف الورقة وقراها بسرعة. عينيه وسعت، وجسمه كله تزلزل من الغضب. بص لعربية الأطفال اللي فيها التوأم بيصرخوا، وبص لشريف اللي راكع تحت رجليه. — يا دناوة نفسك يا بن إبراهيم! —الحاج فاروق تف في الأرض بقرف— تشتري عيال حرام وتكتبهم باسم عيلتنا عشان تداري خيبتك؟ وتتبلى على بنت الأصول الدكتورة نادية وتقول مابتخلفش عشان تحمي رجولتك المزيفة؟ أنت مش راجل ولا تشرفنا تكون من عيلة الكاشف! الحاج فاروق لف للرجالة اللي معاه وقالهم بقسوة: — اطلبوا الإسعاف تاخد الست دي على المستشفى، وشيلوا العيال دول.. هاخدهم معايا المعمل المركزي نخلص تحليل الـ DNA، والورقة دي والتحاليل القديمة هسلمها للمحامي بتاع العيلة عشان نرفع قض*ية إنكار نسب وتزوير. والواد ده.. —بص لشريف بنظرة موت— من اللحظة دي ملوش قعد لقمة ولا مليم في ورث عيلة الكاشف، واسمه يتشطب من السجلات ومن كل الشركات! أنت برة العيلة وبرة حياتنا يا شريف.. عيش بقا في فضيحتك لوحدك! في نفس اللحظة دي، وعلى الناحية التانية من القاهرة.. وتحديداً في كافيه هادي ورايق يطل على النيل في الزمالك. الدنيا كانت مغرب، والشمس بتودع السما وبتسيب وراها خيوط حمرا بتنعكس على مية النيل الهادية. نادية كانت قاعدة على الكرسي الخوص المريح، لابسة فستان حمل شيك وواسع بلون السما، وحاطة إيدها على بطنها البارزة شوية وهي مبتسمة براحة وعينها مليانة سلام لأول مرة من سنين. الدكتور كريم كان قاعد قدامها، لابس قميص كاجوال وبيقفل لابتوب الشغل بتاعه. بص لها بحنان وقال وهو بيمد إيده يمسك إيدها على الترابيزة: — سرحانة في إيه يا نادين؟ الضحكة دي وراها سر كبير. نادية تنهدت نفس طويل ونظيف، وبصت للنيل وقالت: — سرحانة في تدابير ربنا يا كريم. بفتكر من ست شهور بس، كنت قاعدة في نفس المكان ده، ودموعي مش راضية تقف، وكنت شايفة إن حياتي انتهت بعد ما اطلقت وبقيت في عيون الناس "الست المعيوبة" اللي ملهاش لزمة عشان مابتخلفش. كنت حاسة بظلم يهد جبال. كريم ضغط على إيدها بحنية: — واديكي شايفة أهو.. ربنا مبيسيبش حد مظلوم. الظلم ده هو اللي جابك عندي العيادة، وهو اللي خلاني أشوف الست الجدعة المحترمة اللي تمنيت أعيش معاها طول عمري. نادية ابتسمت وعينيها دمعت فرحة: — الحمد لله يا كريم. لما افتكرت اللي حصل الصبح في المستشفى، حطيت إيدي على بطني وحسيت إن ربنا طبطب عليا قدام الدنيا كلها. الستر الحقيقي مش إننا نداري العيب بالكدب والظلم، الستر الحقيقي هو النظافة من جوة، والرضا. كريم ضحك وقال بنبرة مليانة فخر: — تليفوني مش راضي يقف من الصبح. زمايلنا في المستشفى بيكلموني، والخبر انتشر في الدقي والزمالك كلها زي النار في الهشيم. شريف وأمه بقوا سيرة على كل لسان، والحاج فاروق الكاشف بنفسه كلم المستشار عدلي وقال إن العيلة اتبرت من شريف بعد ما الـ DNA أثبت إن العيال ملهمش أي علاقة بيه، ومروة طارت بالفلوس والذهب برة مصر. شريف دلوقتي عايش في المحاكم وقضايا التزوير، والحاجة إلهام جالها شلل نصفي ومش قادرة تنطق كلمة تظلم بيها حد تاني. نادية سكتت شوية، وبصت لكريم وقالت بصوت هادي: — أنا مش شمتانة فيهم يا كريم.. والله العظيم ما شمتانة. أنا بس صعبان عليا العيال الغلابة اللي ملهمش ذنب في اللعبة القذرة دي. بس اتعلمت إن الواحد لازم يركز في غرسة إيده.. وأنا غرسة إيدي أهو.. —وحطت إيد كريم معاها على بطنها. كريم عينيه لمعت بالحب، وقام من مكانه، وطى عليها وباس جبينها قدام كل الناس اللي في الكافيه، وقالها بصوت دافي: — وغرستك هتكبر يا دكتورة نادية. ابننا هيطلع للدنيا يلاقي أب بيعشقه وأم الدنيا كلها تشهد بأصلها وشطارتها ونضافتها. انسي اللي فات كله يا حبيبتي.. اللعبة انتهت، والصفحة القديمة اتقطعت واترمت في النيل أهو.. وإحنا دلوقتي بنكتب أول سطر في كتابنا الجديد. نادية ضحكت من قلبها، وحست بحركة الجنين جوة بطنها بتزيد، كأنه هو كمان بيشاركهم الفرحة وبيعلن إن بكرا أحلى وأجمل، وإن شمس الحقيقة مهما غابت.. لازم تطلع وتنور الدنيا في الآخر.