من يوم وفاة جوزى

مر من جنبه.
كنت شايفة جزء منه بس من الفتحة الصغيرة.
إيد.. ساعة.. ساعته!
الساعة الفضة اللي كنت مهدياها له في عيد جوازنا التالت.
جوزي المېت لابسها في إيده!
كريمة قالت موضوع التأمين كان سهل.. الشركة صدقت تقرير الحاډثة وصرفوا الشيك.
معدتي قلبت.. أنا بشتغل في التأمين.
قضيت سنتين بخلص مطالبات ناس تانية، وعمري ما شوفت الڼصب اللي كان بياكل في حياتي أنا.
أسر ضحك ببرود ليلى طول عمرها بتصدق الورق.
الضحكة دي وجعتني أكتر من خبر مۏته.
لأني عيطت عليه ډم..
لأني كنت ببوس صورته كل يوم الصبح..
لأني رفضت أقلع الدبلة لمدة شهور..
لأني كنت بنام وحاضنة قميصه القديم زي الهبلة.
وهو كان عايش في مكان ما، بيضحك على إخلاصي.
كريمة وطت صوتها المحامي بيقول إن نقل ملكية البيت هيخلص الأسبوع الجاي.. أول ما تمضي هي على إقرار استمرار الترمل، كل حاجة هتتحول للوقف.
أسر قال هتمضي.. دي لسه فاكرة إني كنت بحبها.
عيني كانت بتحرقني.. عضيت على صوابعي لحد ما دوقت طعم الډم.
وفجأة.. الموبايل هز في صدري.
هزة واحدة بس..
بالنسبة لي، كان صوتها زي الرعد في الأوضة.
الاتنين سكتوا فجأة.
هدوء ممېت.
قلبي كان بيخبط في ضلوعي لدرجة إني خۏفت يسمعوه.
كريمة همست سمعتي ده؟
أسر قرب من الدولاب.
جزمته وقفت على بعد سنتيمترات من الباب.
كنت شايفة خياله من الفتحة.
ليلى؟ نده بصوت واطي.
روحي كانت بتتسحب مني.
نفس الصوت.. نفس الحنية.. نفس الفخ.
حط إيده على مقبض الدولاب.
الخشب طلع صوت تزييق.
كريمة قالت لأ.. دي مشيت.. أنا شوفتها وهي ماشية.
أسر متحركش.. وفجأة ضحك من بين سنانه.
عارفة إيه المضحك في الموضوع يا ماما؟
إيه؟
إنها لو عرفت إني عايش، أول سؤال هتسأله مش ليه عملت كدة.
باب الدولاب اتفتح سنتيمتر واحد كمان.
خيط نور ضړب في وشي.
صوت أسر بقى أقرب لودني من أي وقت فات
هتسالني يا ترى چثة
مين اللى دفنتها و بعيط عليها بقالى سنتين؟
المۏتى لا يعودون وحدهم
الدولاب اتفتح سنتيمتر واحد بس.
خيط نور ضړب في وشي.
مبقتش أتنفس.. مبرمشتش بعيني.
لو أسر كان شد الباب للأخر، كان هيلاقيني كاشة في نفسي بين البلوفرات القديمة وشيلان الشتا، ونازفة من صباعي اللي عضيته، وموبايلي محطوط على صدري بيسجل كل كلمة.
بس فجأة الحاجة كريمة زعقت بطل تضيع وقت، اليوم هيخلص والناس هتحس.
إيد أسر وقفت على المقبض.
ولثانية واحدة، من الفتحة الضيقة دي، شوفت وشه.
مش شبح.. مش ذكرى.. مش رماد.
جوزي.. حي.. قدامي.
كان خاسس شوية.. دقنه تقيلة.. وفي چرح صغير جنب حاجبه الشمال مكنش موجود قبل كدة.
بس هو.. أسر.
ابتسم للدولاب وكأنه شامم ريحة خۏفي من ورا الخشب، وبعدين قفل الباب.
كنت هنهار جوه من كتر الړعب.
سمعت شخللة غوايش الحاجة كريمة وهي بتقول خد الورق ده ويلا امشي، شغالة الجيران بتيجي على الساعة واحدة.
أسر بعد عن الدولاب.
سمعت صوت أدراج بتتفتح.. ورق بيتشد..
دولاب جوازي.. أوراق التأمين.. عقود أملاك أبويا القديمة.
البيت اللي اشتريته قبل الجواز بدم قلبي وشقايا وتحويشة أهلي، كان بيتنهب قدام عيني من اتنين حولوا حزني لمفتاح يدخلوا بيه البيت.
أسر قال ببرود لسه شايلة البلوفر بتاعي!
كريمة ردت باستهزاء عيلة تافهة وبتاعة مشاعر.
هو ضحك..
كنت عايزة أصرخ.. مش بس عشان خانني، عشان أنا كنت بحبه بجد وهو كان بيرتب لخړاب بيتي.
خطواتهم راحت ناحية الصالة.. الباب اتفتح واتقفل.
فضلت مكاني.. عشر دقايق.. ربع ساعة.. ثلث ساعة.
لما البيت سكن خالص، زقيت باب الدولاب ووقعت على الأرض.
رجلي مكنتش شايلاني.
زحفت لحد السرير ومسكت في الملاية زي الغريق اللي بېلمس حبل نجاة.
الأوضة كانت ريحتها أسر.. مش ذكرى أسر، لا.. ريحة عرق، سجاير.
لمدة سنتين كنت بترجى ربنا يديني لحظة واحدة مع جوزي.. ربنا استجاب بطريقة قاسېة أوي.. رجعهولي، وبمرجوعه ده قتل كل حتة فيا كانت لسه بتشتاقله.
الموبايل كان لسه بيسجل.. تلاتة وأربعين دقيقة.
دوست إيقاف.
أول حاجة عملتها مكنتش إني كلمت البوليس.. ده اللي المفروض يحصل، بس أنا بشتغل في التأمين وعارفة يعني إيه ڼصب.
عارفة إن الأدلة بتختفي في ثانية لما المجرمين يكون ليهم قرايب في القسم، ودكاترة في المستشفيات، وفلوس في أظرفة.
بعت التسجيل لتلات أماكن
إيميلي بتاع الشغل.. ال Cloud بتاعي.. وشخص واحد بثق فيه أكتر من إيدي اللي بتترعش.
ريمة صبحي.. المحامية.
ريمة كانت زميلتي في السكن أيام الجامعة، ست تقدر تخلي الحيطة تنطق وتعترف. هي اللي خلصتلي ورق ورث أهلي، وقالتلي جملة عمري ما نسيتها يا ليلى، الورق مش مجرد ورق، ده صوت الناس بعد ما الكذابين يمشوا من الأوضة.
الساعة واحدة إلا دقيقتين بعتلها التسجيل ومعاه جملة واحدة أسر عايش.
اتصلت بيا بعد تمان ثواني بالظبط.
رديت، بس صوتي مكنش طالع.
ليلى، قالتها بحدة، إنتي فين؟
في البيت.
هو موجود؟
لأ.
اقفلي الباب بالجنزير.. متلمسيش أي حاجة لمسوها.. متمسحيش دموعك في أي ورق.. ومتمسحيش أي حاجة في الشقة، وابعتيلي لوكيشن حالاً.
همستلها أنا دفنت جثته يا ريمة.
ريمة سكتت لحظة، وبعدين قالت بصوت واطي بس قوي
لأ.. في حد خلاكي تصدقي إنك دفنتيه.
الجملة دي نزلت عليا زي المية الساقعة.
سألتها طيب چثة مين اللي دفنتها؟
بعد ساعتين، ريمة وصلت ومعاها خبير جنائي خاص ولواء شرطة متقاعد بتناديه يا عمو، بس كان بيمشي في الشقة وكأن الكارنيه لسه في جيبه.
اللواء منير نصار.
سمع التسجيل مرة واحدة.. مرة واحدة بس.
لما وصل الحتة اللي أسر بيقول فيها دي لسه فاكرة إني كنت بحبها، فك اللواء منير كرافتته بضيق.
وعند جملة الچثة، وقف التسجيل.
سألني بهدوء يا مدام ليلى، مين اللي اتعرف على جوزك بعد الحاډثة؟
حماتي.
مش إنتي؟
قالتلي
الچثة متفحمة ومنظرها صعب.
مضيتي

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *