لو ماحضرتش

“لو ما حضرتش فرح أخوك، هوقف مصاريف جامعتك”
قالها والدي وهو فاكر إنه لسه قادر يتحكم في حياتي من بعيد…
ما كانش يعرف إني بقالى 3 سنين عايش في مدينة تانية، بمنحة مخبيها، وسجل دراسي عمره ما دخل الجامعة اللي هو اختارها لي… وحقيقة كبيرة جدًا، لدرجة إن لما يحاول يعاقبني، هو اللي هيلاقي نفسه واقع ومفيش أرض تحته.
أبويا ما كانش يعرف إني نقلت من المحافظة أساسًا.
على مدار 3 سنين، كان فاكر إني عايش قريب منهم، وبدرس في الجامعة الحكومية اللي هو اختارها، ولسه معتمد على فلوسه. كل شهر كان بيبعتلي مصاريف “الدراسة”، وهو مقتنع إنه كده لسه مسيطر عليّ.
بس الحقيقة إنه ما كانش يعرف إني خدت أهم قرار في حياتي من غير ما أستأذنه.
اسمي ياسين، وفي عيلتي كان دايمًا فيه ابن مهم… وابن تاني وجوده بالكاد بيبان.
أخويا كريم كان النجم.
الولد المثالي.
اللي الكل بيبصله.
اللي أهلي يفتخروا بيه ويغيروا خططهم عشانه.
أما أنا… فكنت دايمًا في الخلفية.
لو كريم عايز أكل معين، الكل ياكل اللي هو عايزه.
لو عايز يتفرج على حاجة، الكل يتفرج معاه.
حتى لو رسم رسمة عبيطة، كانت بتتعلق على التلاجة كأنها لوحة فنية.
لكن لما كنت أجيب درجات عالية، أمي بالكاد كانت ترفع عينها وتقول:
“كويس.”
وبعدين ترجع تتكلم عن كريم.
كبرت وأنا فاهم حاجة صعبة على أي طفل:
مجهودي ما كانش بيساوي ابتسامته.
أسوأ لحظة كانت لما اتقبلت في جامعة كبيرة جدًا في القاهرة… فرصة ممكن تغيّر حياتي.
ما كانتش مجرد ورقة قبول… كانت باب للخروج.
خروج من البيت ده، من المقارنات، من إني أفضل أصغر نفسي عشان كريم ما يحسش بالنقص.
حطيت ورقة القبول في ملف أزرق، ومعاها أوراق المنحة.
كنت ببص عليهم كل ليلة…
ولأول مرة حسيت إن فيه حاجة في حياتي بتاعتي أنا.
لكن لما أهلي عرفوا… ما فرحوش.
ما هنّونيش.
ما قالوش إنهم فخورين.
أبويا بس كشر وقال:
“مش مهم اتقبلت فين. هتدخل الجامعة اللي هنا. مش عايزين أخوك يغير منك.”
رجع اسم كريم تاني.
حتى مستقبلي لازم يعدي عليه الأول.
كنت عارف إن النقاش مش هيفيد.
في البيت ده، لو أنا اتكلمت يبقى أناني… ولو كريم اتعصب يبقى حساس.
فعملت اللي أقدر عليه.
وطيت راسي…
وخدت نفس…
وكذبت.
قلت له موافق أدخل الجامعة هنا… بس عايز أقعد في سكن الطلبة.
وافق بسرعة. كان فاكر إنه كسب… وإنه كسرني تاني.
لكن في نفس الأسبوع…
جمعت هدومي، وخدت الملف الأزرق، وسافرت على القاهرة.
ما دخلتش الجامعة اللي اختاروها.
دخلت الجامعة اللي هما منعوني منها.
المنحة كانت بتغطي جزء كبير، والباقي كنت بدبره.
وأبويا فضل يبعت فلوس… وهو فاكر إنه بيمول الحياة اللي وافق عليها، بينما هو في الحقيقة بيساعدني أعيش الحياة اللي أنا اخترتها.
يمكن ده مش مثالي…
بس بعد سنين من إني كنت مجرد ظل… ما حسّتش بالذنب.
3 سنين عدّوا…
وأهلي تقريبًا ما سألوش عني. مكالمات سريعة، زيارات شكلية… مفيش حاجة حقيقية.
ما كانوش يعرفوا أنا ساكن فين… ولا بدرس إيه… ولا وصلت لفين.
والأصعب… إنهم ما كانوش مهتمين يعرفوا.
لحد ما كريم قرر يتجوز.
في يوم، أبويا اتصل كأن مفيش سنين من البُعد بينا.
قال بصوت رسمي:
“كريم هيتجوز. لازم تيجي قبلها تساعد.”
سكت.
مش عشان عايز أروح…
لكن عشان جزء جوايا، قديم جدًا، كان لسه عايز يحس إن ليه عيلة.
ثانية واحدة بس… فكرت يمكن المرة دي مهتمين بيا.
لكن بعدها قال:
“لازم الصورة تبقى كاملة.”
وفهمت.
مش عايزني عشان أنا ابنه…
عايزني عشان الصورة تطلع حلوة.
قلت له: مش هقدر أجي.
من غير تبرير… من غير اعتذار.
أمي بدأت تبعت رسائل:
كريم هيتجرح… العيلة أهم… إزاي تغيب… الكل هيزعل منك.
قريتهم بهدوء غريب…
لأن كريم عمره ما كان موجود في أي حاجة مهمة في حياتي.
وبعدين اتدخل أبويا.
في الأول حاول يقنعني بالكلام عن العيلة… وبعدين لما شاف إني ثابت… اتغير.
وقال الجملة اللي أكدت إن مفيش حاجة اتغيرت:
“لو ما حضرتش الفرح… هوقف مصاريف جامعتك.”
بصيت للموبايل…
ما خفتش.
حسيت بحاجة أسوأ بالنسبة له:
حرية.
لأن التهديد اللي شايفه كبير… ما بقاش ليه أي قيمة عندي.
هو ما يعرفش إن اسمي عمره ما اتسجل في الجامعة اللي اختارها.
ما يعرفش إن الملف الأزرق لسه معايا… وفيه الحقيقة كلها.
ما يعرفش إني عشت ونجحت بعيد عنه.
فما ترجيتوش…
قلت له بس:
“اعمل اللي أنت عايزه. أنا مش جاي.”
سكت… وبعدين اتعصب وقال إنه بنفسه هيروح الجامعة يشيل اسمي ويعلمني درس.
وقتها… كنت هضحك.
لأنه رايح بنفسه يكتشف الكذبة اللي عاش فيها 3 سنين.
ما حاولتش أوقفه.
سيبته يصدق إنه لسه مسيطر.
قفلت المكالمة… وفتحت الدرج… وطلعت الملف الأزرق.
ورقة القبول كانت لسه موجودة…
والمنحة كمان.
وفجأة الموبايل نور برسالة منه:
“أنا رايح الجامعة النهارده.”
ابتسمت…
وقلت لنفسي:
أول ما يوصل هناك ويسأل عليّ… هيكتشف إن الابن اللي كان فاكره عبء… بقى بعيد عنه أكتر مما كان يتخيل.
وصل أبويا الجامعة الحكومية في المنصورة وهو متعصب…
كان داخل بثقة الشخص اللي متأكد إنه لسه ماسك كل الخيوط في إيده.
وقف عند شباك شؤون الطلبة وقال بصوت حازم:
“أنا عايز ألغي قيد ابني… اسمه ياسين.”
الموظف بصله باستغراب، وبدأ يدوّر على الاسم في الكمبيوتر.
دقايق عدت… وبعدها رفع عينه وقال بهدوء:
“مفيش حد بالاسم ده مسجل عندنا.”
أبويا اتضايق وقال بعصبية:
“إزاي؟! هو بيدرس هنا بقاله 3 سنين!”
الموظف هز كتفه وقال:
“حضرتك متأكد من الجامعة؟ الاسم ده مش موجود خالص.”
في اللحظة دي… أول شرخ حصل.
أبويا حاول يتمالك نفسه، وطلب يقابل حد مسؤول.
راح لمكتب أكبر، وكرر نفس الكلام… ونفس الرد اتكرر:
“ابنك عمره ما كان طالب عندنا.”
الصمت بدأ يثقل على المكان…
والثقة اللي كان داخل بيها بدأت تتكسر حتة حتة.
طلع موبايله واتصل بيا فورًا.
رنيت عليه… ورديت.
صوته كان مختلف المرة دي… مش فيه سلطة، فيه ارتباك:
“إيه اللي بيحصل؟ الجامعة بتقول إنك مش مسجل هنا!”
خدت نفس هادي… وقلت:
“علشان أنا فعلًا مش هناك.”
سكت.
السكون اللي حصل بعدها كان تقيل جدًا… كأنه بيستوعب لأول مرة إنه ما يعرفش ابنه.
قال بصوت أوطى:
“يعني إيه مش هناك؟! أنت فين؟!”
قلت له الحقيقة… بهدوء:
“أنا في القاهرة… في الجامعة اللي رفضتوها.”
الصدمة كانت واضحة في صوته:
“إنت كدبت علينا؟!”
ابتسمت بس من غير ما يشوفني:
“لا… أنا اخترت نفسي.”
حاول يتكلم… لكن الكلمات ما طلعتش بسهولة.
وبعدين قال بعصبية:
“والفلوس اللي كنت ببعتها؟!”
رديت:
“كانت بتساعدني أعيش… بس مش زي ما كنت فاكر.”
اللحظة دي كانت أول مرة أبويا يحس إنه فقد السيطرة بالكامل.
ما كانش عارف يزعق… ولا يهدد…
لأن كل الأسلحة اللي كان بيستخدمها… اختفت.
قال بصوت مكسور شوية:
“ليه عملت كده؟”
وساعتها… ولأول مرة في حياتي… قررت أتكلم بجد.
قلت:
“علشان عمري ما كنت اختياركم… كنت دايمًا مقارنة.
علشان مستقبلي كان بيتحدد على حسب إحساس كريم… مش على حسب تعبي.
علشان كل مرة كنت بنجح فيها… كنتوا بتبصوا له هو.”
سكت شوية… وكملت:
“أنا تعبت أكون ظل.”
ما ردش.
ولا حتى دافع عن نفسه.
كأنه لأول مرة… بيسمع الحقيقة من غير ما يقدر ينكرها.
قفلت المكالمة بهدوء… من غير دراما.
عدت ساعات…
وبعدين موبايلّي بدأ يرن تاني.
رسائل من أمي:
“إنت كسرت قلب أبوك…”
“إزاي تعمل فينا كده…”
“إحنا عملنا كل حاجة علشانك…”
قريتهم… ومردتش.
لأن الحقيقة كانت واضحة:
هما ما عملوش حاجة علشاني… هما كانوا دايمًا بيعملوا كل حاجة علشان كريم.
بعد يومين… حصل اللي ما كنتش متوقعه.
كريم بنفسه كلمني.
صوته ما كانش فيه غرور المرة دي… كان فيه توتر:
“إنت مش جاي الفرح فعلًا؟”
قلت:
“لا.”
سكت شوية… وبعدين قال:
“الناس كلها بتسأل عليك… الشكل مش هيبقى حلو.”
ضحكت ضحكة خفيفة:
“لسه مهتم بالشكل؟”
اتضايق وقال:
“إنت دايمًا بتكبر الموضوع!”
رديت بهدوء:
“وأنت دايمًا بتقلله.”
سكت…
ولأول مرة ما لقىش رد سريع.
يوم الفرح جه…
وأنا كنت في القاهرة…
واقف قدام مبنى الكلية اللي تعبت علشانه.
مفيش موسيقى… مفيش زحمة…
بس فيه إحساس هادي… إحساس إني أخيرًا في مكاني الصح.
في نفس الوقت… في المنصورة…
الصورة العائلية اتصورت.
بس من غيري.
والناس بدأت تهمس:
“هو فين أخوه؟”
وأبويا… ما كانش عنده إجابة.
في الليلة دي… جالي آخر رسالة منه.
كانت قصيرة جدًا:
“لما تخلص… تعالى نتكلم.”
بصيت للرسالة كتير…
لكن ما رديتش.
مش علشان بكرهه…
لكن علشان لأول مرة في حياتي…
أنا اللي كنت باختار إمتى أتكلم… ومين يستاهل يسمعني.
عدّى أسبوع بعد الفرح…
والرسالة اللي بعتها أبويا كانت لسه قدامي:
“لما تخلص… تعالى نتكلم.”
المرة دي… ما تجاهلتهاش.
مش علشان اشتقت…
لكن علشان كنت محتاج أقفل الصفحة دي بطريقتي.
حجزت تذكرة، ورجعت المنصورة لأول مرة من سنين…
نفس الشوارع، نفس البيوت… بس أنا ما بقيتش نفس الشخص.
أول ما دخلت البيت… حسيت إن المكان أصغر بكتير من اللي فاكره.
أمي كانت واقفة في الصالة… بصّتلي بنظرة فيها ألف سؤال، بس ما قالتش حاجة.
أبويا كان قاعد… ساكت.
وده كان أغرب من أي حاجة.
قعدت قدامه… من غير مقدمات.
هو اللي بدأ:
“ليه عملت كل ده من ورايا؟”
بصيت له بهدوء وقلت:
“علشان لو كنت قلت لك… كنت هتمنعني.”
سكت… لأنه عارف إني صح.
قال بعد شوية:
“كنا خايفين على العيلة… على التوازن.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة:
“تقصد على راحة كريم.”
ما ردش.
لأن دي كانت الحقيقة اللي محدش فيهم عايز يقولها بصوت عالي.
فجأة… كريم دخل.
كان لابس لبس عادي… مش النجم اللي الكل بيلف حواليه.
وقف شوية وبعدين قال:
“إنت مكبر الموضوع أوي…”
بصيت له… المرة دي من غير خوف، ولا إحساس بالنقص.
وقلت:
“أنا مش مكبره… أنا بس بطلت أصغره.”
الجملة وقعت تقيلة.
أمي حاولت تتدخل:
“خلاص بقى… اللي فات مات… إحنا عيلة واحدة.”
بصيت لها وقلت بهدوء:
“إحنا كنا شكل عيلة… مش عيلة.”
الصمت ملأ المكان.
أبويا أخيرًا قال:
“طيب… عايز إيه دلوقتي؟”
السؤال كان واضح…
مش عن الفلوس… ولا الدراسة…
عن مكاني بينهم.
خدت نفس… وقلت:
“ولا حاجة.”
استغرب.
كملت:
“أنا مش راجع أعيش هنا… ومش محتاج موافقتكم على حياتي.”
بصلي… كأنه لأول مرة شايفني بني آدم كامل، مش ظل.
قبل ما أمشي… طلعت الملف الأزرق من الشنطة…
وحطيته قدامه.
قلت:
“ده كل اللي ما كنتوش تعرفوه.”
فتح الملف…
شاف ورقة القبول…
شاف المنحة…
شاف اسمي في جامعة أكبر من كل اللي كانوا متخيلينه.
إيده كانت بترتعش خفيف.
قال بصوت واطي:
“إحنا… كنا غلطانين.”
الكلمة دي… استنيتها سنين.
لكن لما سمعتها…
ما حسّتش بالانتصار.
حسّيت بس إن الحمل اللي كنت شايله… أخيرًا نزل.
مشيت من البيت…
ونزلت الشارع.
الهواء كان مختلف… أو يمكن أنا اللي اتغيرت.
المرة دي… ما كنتش بهرب.
كنت ماشي بإرادتي.
بعدها بشهور…
اتخرجت بتفوق.
واشتغلت في مكان كنت بحلم بيه من زمان.
وفي يوم… وصلني ظرف.
كان من أبويا.
فتحته… لقيت جواه صورة قديمة لينا وإحنا صغيرين…
أنا وكريم.
ووراها مكتوب:
“كان عندي ابنين… بس كنت شايف واحد بس.
آسف إني اتأخرت.”
بصيت للصورة…
وابتسمت ابتسامة هادية.
لأن الحقيقة كانت بسيطة:
أنا ما خسرتش عيلتي…
أنا بس أخيرًا لقيت نفسي.
بعد شهور…
وقفت على المسرح، باسمي بيتنادى قدام الكل.
تصفيق… كاميرات… وابتسامة أنا تعبت سنين علشان أوصل لها.
كنت الأول على دفعتي.
وفي نفس اللحظة… عرفت إن أبويا قاعد تحت بين الحضور.
ما اتحركتش ناحيته…
ولا هو قدر يقرب.
بس بعد ما خلص الحفل… لقيته واقف مستنيني برّه.
وشه كان متغير… مش نفس الراجل اللي كان شايفني ظل.
قرب مني خطوة… وقال بصوت مهزوز:
“أنا كنت غلطان.”
بصيت له… من غير غضب، من غير شوق.
بس هدوء.
قال:
“كنت فاكر إني بحمي العيلة… بس أنا كنت بكسرها.
وسبتك أنت تتكسر لوحدك.”
سكت… وبعدين قال الجملة اللي عمرها ما كانت تيجي في بالي:
“أنا محتاجك… مش علشان الصورة… علشان أنا أبوك.”
لحظة طويلة عدت…
أي حد كان مستني إني أرجع… أسامح… أرجع البيت… تبقى نهاية سعيدة تقليدية.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
ابتسمت ابتسامة خفيفة… وقلت:
“وأنا كمان كنت محتاج أب… مش مدير حياة.”
الكلمة خبطت فيه.
مدّيت له شهادة التخرج…
وقلت:
“دي الحاجة الوحيدة اللي كنت عايزك تشوفها.”
بص عليها… وإيده بتترعش.
لكن قبل ما يتكلم…
سحبتها تاني بهدوء.
وقلت:
“بس مش علشان أرجع… علشان تفهم.”
لفّيت… ومشيت.
سابته واقف… لأول مرة… من غير سلطة، من غير تحكم…
بس أب… متأخر.
وأنا ماشي…
ما حسّتش إني خسرت.
ولا حتى إني كسبت.
حسّيت بحاجة واحدة بس:
إني أخيرًا بقيت الشخص اللي ما حدش يقدر يهدده بحاجة…
ولا حتى عيلته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *