بعد ما مراتى ماتت
لمحة نيوز
بس…
مش الست الضعيفة اللي في ذاكرتي.
مش الأم المكسورة اللي كانت بتترعش في العزا.
قدّامي كانت ست لابسة فستان شيك، شعرها مصبوغ، دبلة دهب في إيدها، ووشها مش باين عليه أي صدمة.
اتكلمت قبل ما أستوعب: — «طنط كلارا؟»
بصّتلي من فوق لتحت، ثانيتين صمت…
وبعدين ابتسمت.
ابتسامة باردة.
— «روبيرتو؟! ياااه… دي مفاجأة.»
المفاجأة؟
دي الكلمة اللي كسرتني.
دخلتني البيت كأني ضيف تقيل.
الصالون جديد، أجهزة حديثة، تكييف شغال، وصورة كبيرة لمارينا على الحيطة… بس مش صورة حزن.
صورة ست حية… مبتسمة.
قلبي دق جامد.
— «طنط… البيت ده… العربية… إزاي؟»
ضحكت ضحكة قصيرة وقالت: — «آه… الفلوس بتعمل كده.»
حسيت الأرض بتميل.
— «فلوس إيه؟ أنا كنت ببعت 300 دولار بس!»
بصّتلي نظرة مباشرة، من غير أي محاولة تمثيل: — «يا ابني… 300 دولار في الشهر، خمس سنين… مش مبلغ قليل. وبعدين مش لوحدهم.»
قربت من الدولاب، طلعت درج، وفتحت ملف قديم.
ورمت قدّامي ورقة.
شهادة…
بس مش شهادة وفاة.
شهادة تغيير اسم.
اسم مارينا…
وتحته اسم جديد.
دماغي وقف.
— «إيه ده؟»
قالت بهدوء مرعب: — «مارينا ما ماتتش.»
الجملة وقعت زي رصاصة.
— «إنتِ بتقولي إيه؟!»
قعدت، وكملت كأنها بتحكي حكاية عادية: — «مارينا كانت عايزة تمشي. كانت مخنوقة. مش منك… من الحياة. من الجواز. من كل حاجة. اتفقت مع واحد… حادثة مزيفة، تابوت مقفول، شوية رشوة، واسم جديد.»
صوتي طلع مكسور: — «والفلوس؟»
ابتسمت: — «الفلوس كانت اتفاق. إنت كنت بتدفع… وإحنا ساكتين.»
— «إحنا؟»
وساعتها…
سمعت صوت من ورايا.
صوت كنت حافظه.
لفّيت.
مارينا واقفة عند باب المطبخ.
حية.
قدّامي.
شعرها قصير، شكلها مختلف… بس عينيها نفسهم.
اتكلمت بهدوء: — «أنا آسفة يا روبيرتو.»
مشيت ناحية الكرسي، قعدت، وقالت: — «كنت محتاجة أبدأ من جديد. إنت كنت كويس… بس كنت جزء من حياة أنا عايزة أهرب منها.»
سكتت لحظة، وبعدين زودت: — «وأمي كانت بتاخد الفلوس… عشان تضمن سكوتها.»
ضحكت ضحكة قصيرة، وقالت: — «إنت دفعت تمن اختفائي… وأنا عشت.»
قعدت ساكت.
مش عشان ما عنديش كلام…
عشان كل كلمة جوه دماغي كانت بتنزف.
قومت.
لميت نفسي.
قلت بهدوء: — «آخر تحويل… كان النهارده.»
بصّوا لبعض.
كملت: — «بس ده آخر مرة تشوفوا اسمي.»
مشيت.
وأنا خارج، سمعت دونيا كلارا بتقول: — «هو هيعمل إيه؟»
ومارينا ردت: — «ولا حاجة… هو طيب.»
ابتسمت.
لأول مرة من سنين…
ابتسامة حقيقية.
لأني فهمت حاجة واحدة:
أنا ما خسرتش زوجة.
أنا اشتريت حريتي…
بسعر 300 دولار في الشهر.
ومن اليوم ده، الإشعار اللي بييجي الساعة 9 الصبح…
بقى بيقول:
“تم إيقاف التحويل نهائيًا.”
وأنا؟
بدأت أعيش.