خدامة حماتى بقلم اماني السيد
أحمد فضِل قاعد مكانه، مذهول، عينه مثبتة في الأرض والسكوت اللي حلّ في الصفرة كان مرعب. كنت سامعة صوت نَفَسه العالي، وكأن الكلمة كبست على نفسه هو كمان.. “الخدامة أم بلاش”. الكلمة جرحت كرامته في مقتل، لأن كرامتي من كرامته، ولأن الست اللي اتهانت دي هي مراته، وأم ابنه اللي جاي.
رفع عينه وبصلي، شوفت فيهم ميكس غريب من الصدمة، والكسرة، والغل المكتوم. ملامح الوش المستهون بالطيبة اختفت تماماً، وحلّ محلها وش راجل حاسس بالذنب والمسؤولية.
قرب مني تاني، والمرة دي مسك إيدي بضغط أقوى، كأنه بيعتذرلي من غير ما ينطق، وقال بصوت مخنوق ومكتوم:
ـ حقك عليا يا سوسن.. الكلمة دي متقالتلكيش إنتِ، الكلمة دي تِقصدني أنا في مقامي ورجولتي قبل ما تقصدك.. أنا اللي سمحت لطيبيتك تتوجه في المكان الغلط، وأنا اللي استسهلت وقولت مراتي أصيلة وبتشيل، لحد ما افتكروها حق مكتسب و”ببلاش”.
دمعة واحدة نزلت من عينه مسحها بسرعة ووقف، بدأ يتحرك في الصالة بعصبية وهو بيجز على سنانه:
ـ والله العظيم ما كنت أعرف ولا عمري تخيلت إن ده تفكيرهم! أنا كنت بشوفك بتنزلي برضاكي وبحب، وكنت بقول الحمد لله ربنا رزقني بـ ست أصيلة شايلاني وشايلة أهلي.. بس لحد هنا وكرامتك خط أحمر، كرامتك هي كرامتي يا سوسن، واللي يرميكِ بكلمة كأنه رماني في وشي.
بصيتله وأنا بنهج، وبدأت نبرة الصدمة في صوته تطمن قلبي من ناحيته.. الشك اللي كان بياكلني إنه يكون مستغلني مات واندفن. أحمد طلع زيي، مخدوع في العطاء اللي كان بيقدمه بحسن نية.
سألته بصوت واطي ومجهد:
ـ هتعمل إيه يا أحمد؟ أنا مش عايزة مشاكل، أنا كل اللي عايزاه إني أشتري نفسي وصحتي، ومش هعتب الشقة دي تاني.
وقف قدامي، ملامحه جِمدت، وبقت قاطعة زي السيف:
ـ مش هتعتبيها، وده أمر منتهي ومش شرط.. ده حَقك. من النهاردة مفيش نزول، وشغل تحت ده ينسوه تماماً.. وبنتها اللي جاية تقعد هانم، تيجي تشيل أمها وتخدمها، أو يجيبوا حد بفلوسهم، إنما مراتي مش خدامة عند حد.
سكت ثانية وكمل وعينيه بتلمع بوعيد:
ـ أنا نازل لأمي حالا.. هفهمها إن “الخدامة أم بلاش” دي، هي هانم البيوت كلها، وإن الست اللي شالتها في تعبها وهي حامل، كان المفروض تِتشال فوق الراس، مش يتقال عليها كده في ضهرها.. أنا هحط النقط فوق الحروف يا سوسن، وعايزك تقعدي هنا، تحطي في بطنك بطيخة صيفي، وتعرفي إن طول ما أنا عايش على وش الدنيا، محدش هيقدر يكسرلك عين ولا يقلل من قيمتك.
اتجه ناحية الباب، وعزم خطوته كان يطمن ويفزع في نفس الوقت. قفلت الباب وراه، وقعدت ورا الباب وأنا باخد نفسي لأول مرة من ساعات.. الحِمل اتشال من على كتافي، والشك اتمحى، بس المعركة الكبيرة كانت لسه هتبدأ تحت.
نزل أحمد، ورزع باب الشقة وراه رزعة هزت الحيطة وهزت معاها قلبي. وقفت ورا الباب، ودقات قلبي بتدق زي الطبل.. الخوف رجع ينهش فيا تاني، بس المرة دي مش خوف من أحمد، ده خوف من “القلبة” اللي هتحصل تحت، ومن المواجهة اللي شكلها مش هتعّدي على خير.
مشيت في الصالة بخطوات ثقيلة، الحمل مخليني مش قادرة، وقعدت على الكنبة القريبة من البلكونة.. فتحت الشباك سنة صغيرة عشان ألقط الهوا، وحطيت إيدي على بطني وأنا بدعي في سري: “يا رب عدّيها على خير.. يا رب أنا مظلمتش حد، أنا بس جيبت آخري”.
تحت في شقة حماتي، الصوت مكنش طالع أوي في الأول، بس بعد عشر دقائق بالضبط، بدأت الأصوات تعلى وتوصل لحد عندي. سمعت صوت أحمد وهو بيزعق بنبرة عمري ما سمعتها منه.. نبرة راجل مجروح في كرامته، صوته كان حاد ومزلزل:
ـ “مراتي مش خدامة يا أمي!.. سوسن اللي شايلاكي في تعبك وشايلة البيت على كتافها وهي مش قادرة تفرد ضهرها، تتقال عليها كلمة زي دي؟!”
وبعدها سمعت صوت حماتي وهي بتصوت وتولول بالطريقة اللي حفظتها:
ـ “يا لمتي يا ناس! بقى بتعلي صوتك عليا عشان خاطر مرأتك؟ أنا قولت إيه يعني؟ دي كلمة وطلعت في وسط الكلام، وهي إيه اللي وقفها تتصنت علينا؟”
الكلام كان بيوصلني مقطع، بس كان كافي يخليني أترعش. دخلت قفلت الشباك عشان مسمعش أكتر، ومشيت في الشقة رايحة جاية.. الشكوك رجعت تاني تلعب في دماغي: “يا ترى أحمد هيثبت على موقفه؟ يا ترى حماتي هتقلب التربيزة عليه وتخليه يحس بالذنب إنه عاق؟ يا ترى أخته لما تيجي وتعرف هتعمل إيه؟”
ساعة كاملة مرت كأنها سنة.. ساعة وأنا على نار، لحد ما سمعت صوت خطوات سريعة وطالعة على السلم.. الخطوات كانت ثقيلة وعنيفة.
المفتاح دار في الباب، وقلبي اتنفض من مكانه.. دخل أحمد، وشه كان أحمر دم، وعروق رقبتو بارزة، ونفسه عالي كأنه كان في معركة حربية. رمى مفاتيحه على الترابيزة وبصلي..
وقفت مكاني مش قادرة أتحرك، وعيني بتسأله من غير ما أنطق: “إيه اللي حصل؟”
قرب عليا، وبدون ولا كلمة، شدني لحضنه جامد.. فضِل حاضني وهو بيتنفس بسرعة، وحسيت بجسمه كله بيترعش من كتر العصبية والكتمان. طبطبت على ضهره بالراحة وقلت بصوت واطي:
ـ أحمد.. إيه اللي حصل تحت؟ أمك قالتلك إيه؟
خرج من حضنه، وبص في عيني، وابتسامة مكسورة بس مليانة تحدي ظهرت على شفايفه وقال:
ـ خلاص يا سوسن.. من النهاردة مفيش تحت تاني، ومفيش كلام مع حد فيهم.. أنا قولت لأمي كل اللي في قلبي، وقولتلهم إن هانم البيوت مكانها فوق في شقتها، واللّي عايز يزعل يزعل.
قعد أحمد على الكنبة وسند راسه لورا وهو مغمض عينيه، كأنه بيحاول يستوعب حجم الكلام اللي قاله واللي سمعه تحت. قعدت جنبه وحطيت إيدي على كتفه، فتح عينيه وبصلي بمرارة وكمل كلامه:
ـ “أنا نزلت لقيتها لسه بتقفل السكة مع أختي، أول ما شافتني وشي متغير سألتني مالك، قولتلها مالي يا أمي؟ مالي وأنا بكتشف إن مراتي الأصيلة اللي شايلاكي وشايلة بيتك في عز تعبها وحملها بقيتوا بتسموها ‘الخدامة أم بلاش’؟
أمي اتخضت في الأول، بس بعدين وشها جمد وقالتلي: ‘وهي سوسن الهانم كانت واقفة تتصنت عليا؟ وبعدين أنا قولت إيه يعني؟ ما هي اللي معودانا على كده، وبعدين دي بتساعد أم جوزها، هو إحنا جايبين غريبة؟’
الكلام استفزني أكتر يا سوسن، حسيت إنها مش شافت إنها غلطانة أصلاً! قولت لها: ‘تساعدك على عيني وراسي، لكن تتهان وتتسمى خدامة عشان بنتك تيجي تقعد هانم؟ لا يا أمي. سوسن من هنا ورايح مش هتعتب الشقة دي، وصحتها وبيتها أولى بيها، واللّي عايز يزعل يزعل، أنا كرامة مراتي من كرامتي’.”
أحمد سكت شوية، وأخد نفس عميق وكمل وهو بيضغط على إيدي:
ـ “أمي بدأت تصوت وتقول إني ببيعها عشان مراتي، وسلفتك لما سمعت الصوت طلعت تتفرج وتقول ‘مش أنا قولتلك يا طنط بلاش تآمني لحد؟’، قولتلهم كلكم اسمعوا.. من النهاردة كل واحد يشيل شيلته، وأنا مراتي هانم في بيتها، ومحدش يطلب منها قشاية.”
بصيت لأحمد والدموع في عيني، بس المرة دي كانت دموع راحة.. دموع إن ربنا نصرني وجوزي مطلعش بايعني ولا مستغلني. سألته بصوت واطي:
ـ “وأنت يا أحمد؟ مش زعلان إنك شديت مع مامتك بسببي؟”
بص في عيني مباشرة وقال بنبرة قاطعة:
ـ “أنا زعلان إني سيبتك توصلي للمرحلة دي من التعب والكسرة بسببي، زعلان إني كنت مخدوع في اللمة الكدابة.. لكن كرامتك وراحتك إنتِ وابننا اللي جاي هما أهم حاجة عندي يا سوسن. انسّي كل اللي فات، وابدأي من النهاردة ركزي في نفسك وفي بيتك وبس.”
في اللحظة دي، حسيت إن جبل انزاح من فوق صدري، وإن “الخدامة أم بلاش” ماتت في الشقة اللي تحت، وفوق في شقتي اتولدت سوسن جديدة، غالية ومكرمة في عين جوزها وفي بيتها.
فاتت كام يوم، والشقة فوق كانت هادية تماماً.. هدوء غريب ومريح ومخيف في نفس الوقت. مكنتش بنزل خالص، ولا حتى بفتح باب الشقة إلا للضرورة. أحمد كان متمسك بكلمته، كل يوم يرجع من شغله شايل في إيده طلبات البيت، وميخلينيش أمد إيدي لحاجة تقيلة.
لكن الهدوء ده مكنش طبيعي.. تحت كان في بركان بيغلي، وأنا عارفة إن حماتي وأخت جوزي وسلفتي مش هيعدوا الموضوع بالساهل.
في يوم، كنت قاعدة في الصالة بجهز حاجة الغدا الخفيفة اللي أحمد طلب مني أعملها من غير مجهود، وسمعت صوت خبط رزين على الباب.. خبطة مش غريبة عليا. قلبي اتنفض، قومت بالراحة وفتحت العين السحرية.. لقيتها حماتي!
وقفت ثواني مش عارفة أعمل إيه.. أفتح ولا أعمل مش سامعة؟ بس قولت لنفسي: “أنا فوق في شقتي، ومعملتش حاجة غلط، والهروب هيبينني ضعيفة”.
أخدت نفس طويل وفتحت الباب.
حماتي كانت واقفة، لافة طرحتها، وملامح وشها مكنتش زي كل مرة فيها العشم الزيادة أو الأمر والنهي.. كانت ملامح جامدة، فيها كبرياء مكسور. بصتلي من فوق لتحت، وعينيها جت على بطني، وبعدين قالت بنبرة ناشفة بس هادية:
ـ “أنا قولت أطلع أشوفك بنفسي يا سوسن.. بدل ما إحنا بقينا عايشين زي الأغراب في بيت واحد، وابني نزل قلب الدنيا عليا بسببك.”
وسعتلها الباب وقولت ببرود واحترام في نفس الوقت:
ـ “اتفضلي يا طنط.. البيت بيتك.”
دخلت وقعدت على الكنبة، وفضلت تبص حواليها في الشقة كأنها أول مرة تشوفها، وأنا وقفت قدامها ومقعدتش، مستنية أشوف هتقول إيه.
بصتلي وقالت:
ـ “أحمد دخل عليا زي الأسد، وزعق وقال كلام عمري ما تخيلت إنه يقوله لأمه عشان خاطر واحدة غريبة.. بس أنا مش جاية أحاسبك على اللي قاله، أنا جاية أقولك إن الكلمة اللي سمعتيها.. أنا مكنتش أقصد بيها أهينك يا سوسن.”
ضحكت في سري بمرارة، بس حافظت على ثباتي.. كملت هي وقالت:
ـ “أنا كنت بكلم بنتي، وبقولها تعالي ريحي نفسك.. الكلمة طلعت مني كده، خانني التعبير يا سيتي، وإنتِ طول عمرك عاقلة وبتشيليني، مش من كلمة تقومي الدنيا وتقعديها وتخلي جوزك يقاطع أمه وإخواته!”
هنا مكنش ينفع أسكت.. أخدت نفس وبصيتلها بثقة وقولت:
ـ “يا طنط، أحمد مقاطعش حد، أحمد بس اتحمق لكرامة مراته.. الكلمة جرحتني لأنها اتقالت في ضهري، وبعد كل اللي عملته.. لو كانت سلفتي هي اللي بتعمل كده، عمر الكلمة دي ما كانت هتطلع عليها، لكن عشان أنا كنت باجي على نفسي، افتكرتوني ماليش تمن.. التعب والخدمة بيبقوا بحب وعشم، مش بـ ‘قلة قيمة’.”
حماتي قامت وقفت، ملامحها اتغيرت وبان عليها الضيق إنها مجاتش تلاقيني بعيط وبقولها “حقك عليا”، لقتني واقفة صلبة. قالت وهي بتتجه للباب:
ـ “على العموم يا سوسن.. أنا قولت اللي عندي، والبيوت أسرار، وبكرة تشوفي لما عيالك يكبروا والدنيا تدوّر.. بس اعملي حسابك، بنت أحمّد جاية تقعد معايا، والبيت مش هيقف على حد.”
قولتلها بهدوء وأنا بفتح لها الباب:
ـ “تنور بيتها يا طنط، وربنا يديكِ الصحة ويخليكم لبعض.”
قفلت الباب وراها، وسندت ضهري عليه وأنا بتنفس براحة.. المرة دي مكنش في دموع، مكنش في وجع.. المواجهة دي أكدتلي إن الموقف اللي أخدته كان صح 100%. الطيبة بزيادة بتتحول لضعف في عيون الناس، والحدود هي اللي بتحفظ الكرامة.
لما أحمد رجع بالليل، حكيتله على اللي حصل بالظبط ومن غير ما أزود كلمة.. بصلي وابتسم، وطبطب على إيدي وقال:
ـ “برافو عليكي يا سوسن.. إنتِ كبرتي في نظري أكتر.. من هنا ورايح، علاقتنا بيهم هتبقى بالمعروف والأصول، بر العوالدين هعمله لوحدي، وإنتِ مكانك فوق هانم، لحد ما تقومي بالسلامة ونربي ابننا في هدوء.”